
سرّ السكينة لم يكن بعيدًا!
عليٌّ؛ شابٌّ ناجحٌ، تخرّج من الجامعة ويشغل وظيفةً مرموقة، وينظر إليه الجميع باعتباره شخصًا يملك أسباب السعادة.
لكن خلف هذا النّجاح، كان هناك فراغٌ عميقٌ يملأ روحه، فراغٌ لم تستطع الإنجازات ولا المادّيات أن تسدّه. فهو يشعر بالاضطراب عندما يستيقظ كلّ صباحٍ، وينام مثقلًا بشعورٍ غامضٍ من الشّتات كلّ مساء!
في إحدى ليالي رمضان، جلس عليٌّ في مسجد الحيّ يستمع إلى درسٍ ألقاه أستاذٌ حكيم. قال الشيخ بصوتٍ هادئ، لكنّه نافذ: “يعاني الكثير اليوم من قسوة القلوب، لكن بدلًا من علاجها، يحاولون ملء الفراغ بملذّاتٍ زائلة.”
ثم توقّف قليلًا وأضاف: “إذا قسا القلب، صار كبرميل بارودٍ ينتظر شرارةً واحدةً لينفجر!”
بعد انتهاء الدرس، اقترب عليٌّ من الأستاذ وقال بصوتٍ يملؤه الحيرة: “يا أستاذ! لديّ كلُّ شيء، لكنّني لا أشعر بالطّمأنينة! كأنّ قلبي قد تحجّر..”
ابتسم الأستاذ بحنوٍّ وقال: “يا بنيّ، أنت تبحث عن السّكينة في المكان الخطأ. السعادة ليست في الخارج، بل تنبع من داخلك!”
ثم قدّم له نصيحةً بسيطة لكنّها عميقة: “كلّ ليلة، وقبل أن تنام، اجلس مع نفسك لدقائق، وبُح بما في قلبك لله تعالى، بدون هاتف وبدون مشاغل، فقط أنت وربّك.”
تردّد عليّ في البداية، لكنّه قرّر التّجربة. كانت اللّيالي الأولى ثقيلة، لكنّه شيئًا فشيئًا بدأ يشعر أنّ قلبه يلين، وكأنّ جدارًا صلبًا يتشقق ليكشف عن نبعٍ من الطمأنينة.
بعد أسبوع، حدث ما لم يكن يتوقّعه. شعر وكأنّ طبقةً من الغبار قد زالت عن روحه! تلك الدقائق القليلة التي كان يقضيها في الخلوة أصبحت أغلى من أيّ متعةٍ ماديةٍ عرفها من قبل. ولأوّل مرّة منذ سنوات، شعر بأنّ قلبه عاد ينبض بالحياة.
مرّ شهر، ولاحظ أصدقاؤه التغيير الواضح عليه. أصبح أكثر هدوءًا، أكثر صفاءً، وابتسامته هذه المرة لم تكن مجرّد قناع، بل كانت امتدادًا لسلامٍ عميقٍ يشعر به.
“ماذا حدث لك يا علي؟” سأله أحد أصدقائه متعجّبًا.
ابتسم عليّ وقال بثقة: “أدركتُ أخيرًا أنّ سكينة القلب لا تُشترى، ولا تُوجد في المطاعم الفاخرة أو السيارات الفارهة. كما قال الله تعالى: أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ. لقد كنتُ أبحث عن السلام في أماكن خاطئة طوال حياتي.”
وفي ليلة القدر، دخل عليّ المسجد بقلبٍ مختلف، بروحٍ تبحث عن معنى أعمق، عن لحظةِ حضورٍ صادقٍ مع الله.
وفي تلك الساعات المباركة، وهو يرفع يديه بالدعاء، شعر بشيءٍ لم يشعر به من قبل… إحساسٌ غامرٌ بالطمأنينة يغمر قلبه، وكأنّه قد وجد أخيرًا ما كان يبحث عنه طويلًا.
وللمرّة الأولى، انسابت دمعةٌ دافئة من عينيه – لكنها لم تكن دمعة حزن، بل دمعة فرحٍ… فرحٍ باكتشاف كنزٍ يجهله الكثيرون، كنز القلوب المستيقظة..
#القرآن_الكريم #شهر_رمضان #الدعاء #ليلة_القدر









