المنبر العميد – 240 – الإنفاق مما نحب

بحث حول الآية الشريفة:(لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) – الإنفاق مما نحب

إن علماء الاجتماع يرون أن هناك أربع مراحل للتنشئة الاجتماعية يمر بها

الإنسان:
المرحلة الأولى من بدو ولادته حتى السنة الثانية من عمره وهو يحاول في هذه الفترة أن يكتشف ما حوله.

المرحلة الثانية هي مرحلة التمركز حول الذات وهنا يبدأ الطفل بتقليد الآخرين من دون وعي وهو يشعر بالسعادة وبتعاطف أسرته معه.

المرحلة الثالثة هي مرحلة المتابعة فيشرع في متابعة المجتمع ولكن في أمور محدودة؛ أي إنه يتبع سلوكا دون آخر؛ لأنه قد لا يكون مقتنعا ببعض السلوكيات بعد وتمتد إلى التاسعة من العمر.

المرحلة الرابعة التي تبدأ ما بعد التاسعة يبدأ الطفل بالتبني الكامل ولكن عن وعي إلى حد ما، فيمتص المعايير والقيم والأخلاق عند مجتمعه ويتوقف ذلك على ما يملكه من قدرات ذهنية وعقلية وعلى المجتمع الذي يعيش فيه هل هو مجتمع صالح أو غير صالح.

تحاول الآية الشريفة أن تهيئ الأجواء الاجتماعية المناسبة من قبيل المودة والرحمة والإخلاص الذي يستطيع أن يمتصه الطفل في تنشئته الاجتماعية.

إن هذه الآية الشريفة تربي الإنسان على الفتوة كما يقول أبوبكر الوراق والفتوة هي التضحية بما يحبه الإنسان من أجل الغير.

ما هو البر ؟

اختلف المفسرون في تعريف البر فقالت طائفة هو العمل الذي تعود ثمرته بالنفع على المجتمع وهؤلاء يكافئهم الله بالجنة إذ أن عطاء الله سبحانه يختلف عن عطاء الإنسان، فقد يعطيك الإنسان شيئا ثم يتبعه بالمن والأذى ولكن عطاء الله سبحانه غير محدود.

إن المال معرض لكثير من الحوادث التي قد تنقصه وتفنيه من قبيل الأمراض والمصائب التي تلم بالإنسان فتأخذ طائفة من ماله، أو يملك من المال الكثير ولكن لا يستطيع أن يتلذذ به لعارض أو مرض أو ما شابه أما عطاء الله سبحانه لا ينغصه شيء.

ومن الأمور المهمة التي تؤكد عليها الآية الشريفة هي أن الألقاب لا تعطى إلا لمستحقها فأنت لا تكون في جملة الأبرار ما لم تنفق مما تحب ولكن في الدنيا قد يضفى على أفراد ألقاب لا تمت إلى واقعهم بصلة ولا توجد سنخية بينهم وبين تلك الألقاب.

على سبيل المثال إن لقب أميرالمؤمنين الذي يختص به الإمام علي عليه السلام وهو مما خصه النبي صلى الله عليه وآله به كما خصه بألقاب كثيرة منها، كرار غير فرار وكان بحق جدير بهذا اللقب إذ كان عليه السلام شديد البأس في حروبه وكان يلبس درعا لا ظهر لها فلما سأل عن سبب ذلك قال وهل يستطيع العدو أن يصل إلى خلفي.

إن أمير المؤمنين هو أول من بادر إلى تجسيد هذه الآية الشريفة ب الإنفاق مما يحب:
(اِشْتَرَى عَلِيٌّ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ ثَوْباً فَأَعْجَبَهُ، فَتَصَدَّقَ بِهِ، وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَقُولُ: مَنْ آثَرَ عَلَى نَفْسِهِ آثَرَهُ اَللَّهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ بِالْجَنَّةِ، وَمَنْ أَحَبَّ شَيْئاً فَجَعَلَهُ لِلَّهِ قَالَ اَللَّهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ: قَدْ كَانَ اَلْعِبَادُ يُكَافِئُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَاَنَا أُكَافِيكَ اَلْيَوْمَ بِالْجَنَّةِ)

الإنفاق على الأقارب والأرحام

إن للأسف الشديد قد يحرم الأقارب من رعاية قريبهم الذي ينفق في سبيل الله وقد يكون السبب في ذلك، وجود قضايا شخصية أو عداوات فيما بينهم والحال أن ذلك ينافي صلة الأرحام وينافي القرآن الذي يأمر بتقديم الأرحام في الإنفاق.

ليس من السهل على الذي يحصل على الأموال بعناء ومشقة ونصب أن ينفقها في سبيلها فقد تنازعه نفسه إلى الشح وعدم الإنفاق لذلك قال الله سبحانه:(وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)

هل يكتسب الإنسان حبه للأموال من المجتمع ؟

إن حب المال هو حب غريزي ولذلك نرى الطفل الصغير يمتنع عن إعطاء ما بحوزته من المتاع وتراه يجهش بالبكاء إن أخذ ذلك منه عنوة وقد قال الله سبحانه:(وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) وقال عز من قائل:(وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ).

مراعاة الاعتدال في الإنفاق 

يجب على المنفق أن يراعي حالة الاقتصاد في الإنفاق، فلا ينفق أمواله بصورة لا يدع لعياله شيئا منه، كما أن النبي صلى الله عليه وآله رفض أن يأخذ الصدقة ممن باع أمواله جميعا وجاء ليتصدق بها وقال له النبي صلى الله عليه وآله: تترك أبنائك عالة يتكففون الناس.

إن الإنسان عليه أن يكون متوازنا في حبه للأموال، فقد نرى البعض يبيع دينه من أجل المال ويفقد كرامته وعزته من أجل.

ما معنى قول الله سبحانه:(وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) ؟

أي إن الله سبحانه عالم بالذي ينفق جيده ورديئه، أو أن الله عز وجل عالم هل ما يتم إنفاقه هو لله سبحانه أو لغيره وهناك رأي آخر أن الله سبحانه عليم بمقداره أي هل الذي أنفقه هو بالمقدار المطلوب منه أم لا؟

إن الجود بالنفس أقصى غاية الجود، ومحل هذا الإنفاق هو في ساحات العزة والكرامة وساحات الجهاد في سبيل الله سبحانه، وهذا ما فعله الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء.

 

أنظر أيضا:

الانفاق في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

انتقل إلى أعلى