لا يسخر قوم من قوم – د. الشيخ أحمد الوائلي رحمه الله
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
هذه الآية الكريمة تمثل ميثاقًا أخلاقيًا متكاملًا لبناء مجتمع الإيمان، مجتمعٍ تُصان فيه الكرامة، وتُحفظ فيه القلوب من الانكسار، وتُطهّر فيه النفوس من رواسب الجاهلية.
الغاية من العبادات – تهذيب النفس لا مجرد الأداء
العبادات في الإسلام لم تُشرّع لمجرد الطقوس، بل لتهذيب الإنسان وصناعة شخصيته الأخلاقية.
قال النبي صلى الله عليه وآله: (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا).
وقال الإمام علي عليه السلام: (كم من صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا العناء).
فالعبادة التي لا تُثمر خلقًا، ولا تُنبت تواضعًا، ولا تمنع لسانًا من السخرية، هي عبادة بلا روح.
السخرية… بقايا جاهلية في المجتمع المسلم
نزلت هذه الآية لتعالج ظاهرة واقعية في المجتمع المسلم آنذاك، حيث بقيت بعض آثار التفاخر الطبقي والعنصري.
السخرية من فقراء الصحابة
ورد أن الآية نزلت في وفد بني تميم، حين استهزؤوا ببعض فقراء الصحابة مثل: عمار، خباب، بلال، صهيب، سلمان، سالم مولى أبي حذيفة.
نظروا إلى رثاثة لباسهم، وغفلوا عن عظمة إيمانهم، فجاء الرد الإلهي الحاسم: “عسى أن يكونوا خيرًا منهم”
فالمعيار عند الله ليس الهيئة ولا المال، بل التقوى والصفاء الداخلي.
السخرية بين النساء
وقيل إن الآية نزلت أيضًا في حادثة بين بعض أمهات المؤمنين حين سخرن من أم سلمة رضي الله عنها، سواء في قصر قامتها أو في هيئتها.
كما ورد في قصة صفية بنت حيي رضي الله عنها حين عُيّرت بأصلها، فقيل لها: “يا يهودية بنت يهوديين”، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله: (هلا قلتِ: إن أبي هارون، وإن عمي موسى، وإن زوجي محمد)
فنزل القرآن ليضع حدًا لكل أشكال التنابز والتمييز.
لماذا حرم الإسلام السخرية؟
السخرية ليست كلمة عابرة، بل: كسرٌ لقلوب الناس، وبذرة كبرٍ في النفس، وبوابة ظلمٍ اجتماعي.
والقرآن يربطها مباشرة بالفسوق بعد الإيمان، أي أن المؤمن حين يسخر من غيره، فإنه ينسف حقيقة الإيمان التي تدعو إلى التواضع والرحمة.
ولا تلمزوا أنفسكم – وحدة الجسد الإيماني
قال تعالى: “ولا تلمزوا أنفسكم”، ولم يقل: “ولا تلمزوا غيركم”، لأن المؤمنين جسد واحد، فإذا عبت أخاك فقد عبت نفسك، وإذا جرحت كرامته فقد خدشت إيمانك.
وكذلك قوله: “ولا تنابزوا بالألقاب”
فالألقاب الجارحة تترك أثرًا طويلًا في النفس، وربما تعيش في ذاكرة صاحبها سنوات.
ميزان التفاضل الحقيقي
الآية تؤسس لقاعدة عظيمة: التفاضل ليس بالمظاهر، بل بالجوهر.
كم من إنسان يُحتقر اليوم، وهو عند الله عظيم المنزلة.
وكم من إنسان يُعجب الناس بمظهره، وهو فارغ من الداخل.
ولهذا ختمت الآية بالتحذير: (ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون)
فالظلم هنا ليس للغير فقط، بل ظلم للنفس حين تلوثها بالكبر والاحتقار.
خاتمة
إن مجتمع الإيمان لا يقوم على الاستهزاء، ولا على التحقير، ولا على التنابز، بل يقوم على: الاحترام، التواضع، ستر العيوب، حفظ الكرامة الإنسانية.
فالذي يسخر من الناس إنما يكشف نقصًا في داخله، أما المؤمن الحق، فيرى الناس بعين الرحمة لا بعين الاحتقار.

