المنبر العميد – 356 – الاختلاف بين الناس

الاختلاف بين الناس – د. الشيخ أحمد الوائلي

نزلت آية (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا) تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وآله لأنه رأى اختلافا بين أصحابه فتألم لذلك وتأثر لأنه تفاجأ بوجود هذا الاختلاف.

وهناك ثلاثة آراء في الناس المذكورين في الآية، فالرأي الأول يقول بأن المقصودين هم آدم عليه السلام وأسرته، رغم وجود روايات تشير إلى وجود عوالم أخرى ولكل عالم منها آدم خاص بها، وهو يتناغم مع الحفريات الحديثة التي أثبتت وجود البشر قبل مئات آلاف السنين في مناطق مختلفة من الأرض، رغم أن نبينا آدم بحسب التقديرات كان قبل نحو خمسة عشر ألف عام فقط.

ما هي أسباب الخلاف؟ يحدث الخلاف والاختلاف بين البشر بسبب احتياجاتهم، وتحدث النزاعات اليوم بسبب زيادة الحاجات عن الموارد المتوفرة، فيحصل النزاع والاختلاف بين البشر على هذه الموارد لعدم كفايتها لجميع الناس.

لكن الله لا يخلق أحدا ويبقيه جائعا، فالله يخلق الإنسان ويأتي معه برزقه، فالخلل ليس في الإنتاج وكميته بل يكمن الخلل وتكمن المشكلة في سوء التوزيع، فهناك دول وأمم ترمي بفائض إنتاجها في البحر لتعديل أسعار السوق، في حين أن هناك شعوبا وأمما تتضور جوعا ولا تجد لقمة الخبز.

لقد نهى الله تعالى عن الإسراف فقال كلوا واشربوا ولا تسرفوا، فلو اعتدل كل منا في استخدامه لموارد الأرض ولم يسرف في استعمالها لوصلت هذه الموارد إلى جميع الناس ولما وجدت فقيرا أو جائعا. وإن أول اختلاف حصل أيام آدم كما ورد كان بين أبناء آدم على زوجاتهم، فكانت زوجة أحد أبناء آدم أجمل من الأخرى، فحصل الخلاف بينهم على ذلك.

ثم توسع الخلاف ليشمل الزراعة، فلقلة الموارد الزراعية وقلة الإنتاج آنذاك حصل الخلاف بين أولاد آدم على لقمة العيش.

الرأي الثاني هو أن المقصود بالأمة هو الأمية، فيكون المقصود هو أن الناس كانوا على الفطرة ولم يكونوا يملكون من العلم شيئا، وعندما انتشر العلم حصل الاختلاف بين الناس، والعلم يولد الاختلاف كما يحصل بين الفقهاء من اختلاف في إصدار الفتاوى والأحكام بناء على فهمهم واستنباطهم لها من مصادرها.

وكان أمير المؤمنين عليه السلام في فترة حكمه للمسلمين يساوي في العطاء بين جميع الناس ولا يفضل عالما على جاهل أو من سبق إسلامه عن من تأخر إسلامه، مما أدى لاعتراض كثير من الصحابة عليه ومواجهته ومحاربته، وهذا نوع من الاختلاف الذي يحصل في الأمة، فهو نوع من الاختلاف في فهم الدليل كما كان يحدث بين الصحابة مرارا.

الرأي الثالث في هذه الآية هو أن عبادة الله واحدة لكل الأمم، وهذا يدعونا لاحترام طقوس ومراسم جميع الفرق والأديان الأخرى في عبادتهم وعدم السخرية منهم لأن جميعهم يهدف إلى عبادة الله وتقديسه جل جلاله، ومن قبيل ذلك يصح عقد نكاح أبناء الملل الأخرى من المسيحيين واليهود وغيرهم عندنا بما أنه شرعي وصحيح عندهم.

مواضيع مشابهة

واحة الفرقان – 8

الفرق بين الخلاف والاختلاف

انتقل إلى أعلى