قناة المعارف الفضائية | سراج العلم والفضيلة
فهرس: المنبر العميد
آخر برامج من: الدكتور الشيخ أحمد الوائلي (ره)
آخر برامج في قناة المعارف الفضائية

خصائص الرسالة السماوية – د. الشيخ أحمد الوائلي رحمه الله

تقوم الرسالات السماوية على الهداية والبيان، وهي دعوة إلهية تُخاطب العقل والفطرة معًا، وتقدّم للإنسان طريقًا واضحًا نحو الحقيقة. والآية الكريمة:

﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ…﴾

تكشف جانبًا من طبيعة هذه الرسالة الإلهية التي جاء بها النبي صلى الله عليه وآله، وتوضح أن أساس الهداية قائم على البينة أي الحجة الواضحة التي لا غموض فيها ولا تناقض.

 

معنى البينة في القرآن الكريم:

البينة في لغة العرب تعني: الوضوح، والبرهان، والدليل القاطع.

وفي سياق الآية، فإن البينة هي القرآن الكريم نفسه، لأنه كتابٌ واضح الدلالة، تتجلى معانيه لمن تدبّر، وهو معجزة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله التي أيده الله بها.

 

لماذا سُمّي القرآن بالبيّنة؟

لأنه واضحٌ في لغته ومعانيه، بعيدٌ عن الغموض المفتعل.

ولأنه معجزةٌ خالدة تنطوي على التحدّي، فقد تحدّى العرب – وهم أهل الفصاحة – أن يأتوا بمثله.

ولأنه برهانٌ شامل على صدق النبوة وصدق صاحبها.

ولأنه ليس كتابًا غامضًا مغلقًا، بل خطابٌ مفهوم، وإلّا لانتفت الحكمة من رسالته.

فلو كان تفسير كثيرٍ من آيات القرآن محتجزًا في علم الغيب لا يدركه أحد—even الراسخون في العلم—لما كان للقرآن دور هداية، ولا معنى لتلاوته وتدبّره.

 

القرآن كمعجزة: سرّ المناسبة بين المعجزة والقوم:

إن من سنن الله تعالى أن يجعل معجزة كل نبي مناسبةً لزمانه وبيئته، ولكي تكون المعجزة مفهومة لمن يشاهدها.

فالعرب حين بُعث الرسول صلى الله عليه وآله كانوا: يتباهون بالشعر، يتنافسون في البلاغة، ويتقنون صناعة البيان.

فجاءهم القرآن يتحدّى ملكاتهم البلاغية ويقوّض قدرتهم اللغوية أمام إعجازه.

ولذلك كانت معجزة النبي هي كتابًا يتجاوز قدرتهم، لا سيفًا ولا مالًا ولا ظاهرة كونية خارقة فقط، بل خطابًا إلهيًا لا يمكن الإتيان بمثله.

 

خصائص الرسالة السماوية

انسجام الرسالة مع العقل:

من أهم خصائص الوحي الإلهي أنه لا يناقض العقل السليم، فالعقل في الإسلام ليس عدوًا للدين، بل هو بوابة الفهم والإيمان.

أمثلة على استحالة تناقض الدين مع العقل: من المستحيل عقليًا وجود إلهين متكافئين، لأن ذلك يؤدي إلى الفوضى لا إلى النظام الكوني المشاهد.

لا يمكن أن يأتي وحيٌ إلهي يطلب من الإنسان إلغاء عقله أو تعطيله.

لا يقبل الدين السماوي أن يقوم على التناقض أو السفسطة.

ولهذا فإن الإسلام يحرّم عبادة الأصنام لأنها تهين العقل، ولأن الوقوف أمام حجر صنعه البشر وطلب الرزق والشفاء منه هو سقوط عن مرتبة الكرامة الإنسانية.

 

توافق الرسالة مع العلم – مع التفريق بين العقل والعلم:

من خصائص الرسالة الإلهية أنها لا تخالف الحقائق العلمية الثابتة.

إلا أنه يجب التفريق بين:

القواعد العقلية: وهي ثابتة لا تتغير.

النظريات العلمية: وهي متغيّرة مع الزمن والاكتشافات.

فالقرآن لا يصطدم بالعقل، لكنه قد يسبق العلم أو يلمّح إلى حقائق لم يفهمها الناس إلا بعد قرون.

عدم منافاة الرسالة للفطرة الإنسانية:

الفطرة هي الأساس الذي يبني عليه الوحي.

والدين الإلهي لا يمكن أن يدعو إلى: الجهل، تعطيل القدرات، ترك الزواج، أو الانعزال عن الحياة.

لماذا لا تناقض الرسالة السماوية الفطرة؟

لأن الفطرة الإنسانية تحب العلم، ولذلك فإن الجاهل يشعر بالنقص بين العلماء.

ولأن الإنسان مفطور على السعي والتكامل، لا على التخلّي عن حاجاته الطبيعية.

ولأن التشريع الإسلامي نفسه قائم على تحقيق مصالح الإنسان لا معارضتها.

 

تشجيع الرسالة على طلب العلم النافع:

الرسالة السماوية لا تقتصر على الدعوة إلى العلوم الشرعية فقط، بل تشمل كل علمٍ ينفع البشرية: الطب، الهندسة، الاقتصاد، الفلك، التكنولوجيا، علوم النفس والاجتماع.

بل إن الإسلام يحذر من طلب العلم الذي يضر الناس، كما يرفض تحويل العلم إلى سلعة لكسب المال فقط، لأن العلم أرقى من أن يحصر في الأرباح.

 

وفي الختام:

الرسالة السماوية ليست نصوصًا جامدة، بل نورٌ وهداية تتصل بالعقل والفطرة وتضيء للإنسان طريقه نحو الحقيقة.

وهي رسالة تؤكد أن الدين لا يقوم على التقليد الأعمى، بل على اليقين والبرهان، وأن القرآن الكريم هو البينة الخالدة التي تستمر بتحدي العقول إلى يوم القيامة.

 

مواضيع مشابهة

امتداد كوثر النبوة