قناة المعارف الفضائية | سراج العلم والفضيلة
فهرس: المنبر العميد
آخر برامج من: الدكتور الشيخ أحمد الوائلي (ره)
آخر برامج في قناة المعارف الفضائية

التوكل على الله – د. الشيخ أحمد الوائلي رحمه الله

قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

نزلت هذه الآية في ظرفٍ كان بعض المؤمنين فيه يعيشون قلقًا مشروعًا، حين أُمروا بالهجرة من مكة إلى المدينة، فقال بعضهم: لا دار لنا هناك ولا أرض، فمن يطعمنا ويسقينا؟ فجاء الجواب القرآني ليعالج هذا الاضطراب في أعماق النفس قبل أن يعالج الواقع الخارجي.

 

التوكل ليس هروبًا من الواقع:

القرآن حين يذكر أن دوابًا كثيرة لا تحمل رزقها، لا يريد أن يدعو الإنسان إلى ترك السعي، بل يريد أن يصحح مركز الاعتماد في القلب. فالرزق ليس رهين المكان، ولا تابعًا للظروف وحدها، بل هو بيد الله الذي تكفّل به.

الهجرة لم تكن مغامرة بلا حساب، بل كانت خطوة مدروسة، لكنها احتاجت إلى يقينٍ يسبقها. فالله تعالى لم يقل اتركوا الأسباب، بل قال ثقوا أن الذي هيأ لكم الطريق لن يضيعكم فيه.

 

بين التوكل والتواكل

الفارق بين التوكل والتواكل دقيق لكنه حاسم. جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله يسأله: أأرسل ناقتي وأتوكل أم أعقلها وأتوكل؟ فقال له: «اعقلها وتوكل». بهذه العبارة وضع النبي ميزانًا دقيقًا: اربط الناقة، وخذ بالأسباب، لكن لا تجعل قلبك متعلقًا بها.

فمن ترك السبب بحجة التوكل فقد أساء الفهم، ومن اعتمد على السبب ونسي المسبب فقد أضعف يقينه. التوكل الحقيقي هو حركة في الخارج، وسكون في الداخل.

 

الادخار لا يناقض الثقة بالله:

بعض الناس يظن أن التخطيط للمستقبل يناقض التوكل، لكن الثابت في المصادر المعتبرة، ومنها ما ورد في صحيح البخاري، أن النبي صلى الله عليه وآله كان يدخر لأهله قوت سنة. وهذا يدل على أن حسن التدبير لا ينافي صدق الاعتماد على الله.

فالإسلام لا يصنع إنسانًا مهملًا، بل يصنع إنسانًا منظمًا يعرف أن الله هو الرزاق، لكنه يعمل ويخطط ويسعى.

 

التوكل علاج لسوء الظن بالله

أصل القلق من المستقبل غالبًا هو ضعف الثقة بوعد الله. الإنسان يخاف الفقر، ويقلق من الغد، ويحسب أن الرزق بيد الناس. أما المؤمن فيعلم أن رزقه مكتوب، وأن السعي باب، لكن العطاء من عند الله.

لهذا ختمت الآية بقوله: “وهو السميع العليم”، أي أنه يسمع قلقكم، ويعلم ما تخفون من خوف، لكنه يريد منكم قلبًا واثقًا لا مضطربًا.

 

خاتمة

التوكل ليس كلمة نرددها في أوقات الضيق، بل هو أسلوب حياة، يقوم على معادلة واضحة: نسعى كأن الأمر بأيدينا، ونسلّم النتائج كأن الأمر كله بيد الله. فمن عاش بهذه الروح تحرر من خوف الرزق، واطمأن قلبه، وسار في الحياة ثابت الخطى، لأنه يعلم أن رزقه لن يسبقه إليه أحد، ولن يمنعه عنه أحد.

 

مواضيع مشابهة

حلل إيمانية – 8 – جوهر العبودية والتسليم لله تعالى

أحاديث في التوكّل والتفويض والرضا والتسليم