قناة المعارف الفضائية | سراج العلم والفضيلة
فهرس: المنبر العميد
آخر برامج من: الدكتور الشيخ أحمد الوائلي (ره)
آخر برامج في قناة المعارف الفضائية

البنوة الحقيقية في القرآن الكريم – د. الشيخ أحمد الوائلي رحمه الله

إنّ القرآن الكريم يعالج قضايا العقيدة بأساليب متعدّدة، فتارة يطرح المفاهيم بشكل مباشر وواضح، وتارة أخرى يعرضها بأسلوب قصصي عميق يحمل بين طيّاته دلالات تتجاوز المعنى السطحي. ومن بين هذه القضايا الجوهرية التي تستوقف الباحث والمتأمل: قضية البنوة، وهل تقوم على الدم والنسب وحده، أم أنّ الفكر والعقيدة هما الأساس الأصيل للرابطة الحقيقية بين البشر؟

تأتي آية قصة نبي الله نوح (ع) لتفتح بابًا واسعًا على هذه الحقيقة، حيث قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ… ﴾ [هود: 46].

 

معنى البنوة في ضوء القرآن:

من المتعارف عليه بشريًا أنّ البنوة تعني الامتداد النسبي، فالولد من صلب أبيه، والبنت من صلب أبيها، وهذه رابطة طبيعية أودعها الله في الخلق. لكنّ القرآن الكريم يعلّمنا أنّ هذه الرابطة لا تكفي وحدها لتأسيس علاقة حقيقية في ميزان الحق والباطل، بل يقدّم لنا مفهومًا أعمق، وهو أنّ البنوة الفكرية والإيمانية تتقدّم على البنوة الدموية.

ولذلك نفى الله سبحانه وتعالى في قصة نوح عليه السلام أن يكون ولده من أهله بالمعنى الإيماني، رغم كونه ابنًا بيولوجيًا له، إذ كان كافرًا معاندًا لرسالة أبيه، ففقد بذلك الرابطة الإيمانية التي تعلو على سائر الروابط.

 

تأكيد السنة النبوية على البعد الفكري للبنوة:

الأحاديث الشريفة جاءت لتؤكّد هذا المبدأ القرآني، فقد ورد في روايات الفريقين – أهل السنة والشيعة – عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله:

 

“إن لكل بني أب عصبة ينتمون إليها، إلا ولد فاطمة، فأنا وليهم وأنا عصبتهم، وهم عترتي، خلقوا من طينتي…”

هذا الحديث الشريف يوضح أنّ رابطة العصبة ليست بالدم وحده، بل بالعقيدة والولاية، إذ جعل النبي صلى الله عليه وآله نفسه عصبة لذريّة فاطمة عليها السلام، وربط هذه العصبة بالانتماء إلى الرسالة والفكر.

وكذلك قوله صلى الله عليه وآله للإمام علي عليه السلام: “يا علي أنا وأنت أبوا هذه الأمة.”

فالأبوة هنا ليست بمعنى النسب الجسدي، بل بمعنى الهداية والولاية، أي أنّ النبي وعليًا عليهما السلام هما مصدر التربية الفكرية والروحية للأمة.

 

الحكمة العقدية والتربوية:

إنّ الله عز وجل حينما قال لنوح عليه السلام ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ ، لم ينفِ رابطة الدم، بل أراد أن يوجّه البشرية إلى أنّ رابطة الإيمان والعمل الصالح هي الرابط الأقوى والأبقى، بينما الدم والقرابة وحدهما لا ينجيان صاحبهما من الهلاك.

فلو كانت البنوة بالدم تكفي، لكان ابن نوح ناجيًا، لكنّ كفره قطع ما بينه وبين أبيه من صلة حقيقية، فأصبح غريبًا عنه في ميزان الحق.

وهذا المبدأ يرسخ في عقول المؤمنين أنّ الانتماء الحقيقي هو انتماء العقيدة، وأنّ وحدة الفكر والإيمان تعلو على وحدة النسب، وهذا ما نجده واضحًا في التجارب التاريخية للأمم والأنبياء.

 

دروس مستفادة:

إعادة تعريف الأهلية: الأهل الحقيقيون هم أهل الإيمان والعمل الصالح، لا مجرد الأقارب بالنسب.

التحذير من الاغترار بالأنساب: فلا قيمة للقرابة إن لم تقترن بالهداية والالتزام.

ترسيخ مفهوم الأبوة الروحية: النبي والأئمة هم الآباء الحقيقيون للأمة؛ لأنهم مصدر الهداية والنجاة.

البعد التربوي: التربية الإيمانية أقوى أثرًا من الوراثة الجسدية، فهي التي تصنع شخصية الإنسان ومصيره.

 

وفي الختام:

إنّ آية قصة نوح (ع) وما رافقها من بيان نبوي شريف، تضع بين أيدينا قاعدة عقدية عظيمة: الإيمان هو الأساس الأول للرابطة الإنسانية، ومن دونه لا تنفع روابط الدم مهما عظمت. وهكذا يرسخ القرآن والسنة معًا أنّ البنوة الفكرية والإيمانية أرفع شأنًا من البنوة النسبية، وأنّ المصير الأبدي لا يُبنى إلا على أساس العقيدة والعمل.

مواضيع مشابهة

نهج الأنبياء – 1 – دروس من سيرة النبي نوح

أحاديث في بعثة نوح(ع) على قومه وقصّة الطوفان