وراثة الأرض بين الوعد الإلهي والظهور المهدوي – د. الشيخ أحمد الوائلي رحمه الله
يقول تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [القصص: 5-6].
هذه الآية المباركة تنطوي على وعد رباني شامل بأن المستضعفين سيملكون زمام الأرض، ويتحولون من موقع الضعف إلى موضع القيادة، ومن حالة التهميش إلى موقع الإمامة والوراثة والتمكين.
لكن من هم هؤلاء المستضعفون؟ ومتى يتحقق هذا الوعد الإلهي؟ وهل رأينا تحقق هذا الوعد في التاريخ السابق؟
وراثة الأرض… متى تتحقق؟
عند الرجوع إلى التاريخ الإسلامي منذ فجر البعثة النبوية، نجد أن الإسلام حقق انتشارًا واسعًا، ووصلت الفتوحات إلى مناطق كثيرة، إلا أن الأمة الإسلامية لم تملك الأرض بكاملها كما تشير الآية. ولم تُعهد فترة في التاريخ البشري تحققت فيها إمامة ووراثة شاملة للمستضعفين في الأرض.
وهذا يدفعنا لفهم الآية الكريمة بأنها تشير إلى مستقبل لم يقع بعد، مستقبل يكون فيه التمكين التام للمؤمنين الذين ورثوا الاستضعاف قرونًا، فيملكون الأرض ويقيمون فيها العدل الإلهي الكامل، وهو ما يتوافق مع ما أخبرت به الروايات المتواترة في مختلف المذاهب الإسلامية عن ظهور الإمام المهدي المنتظر.
ولادة المصلح الإلهي وغيابه المؤقت
تشير المصادر الحديثية إلى أن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه وُلد في منتصف القرن الثالث الهجري، في ظروف استثنائية، حيث لم تكن تظهر على والدته علامات الحمل، وكانت الولادة خفيةً بأمر من الله عز وجل لحفظ الإمام من بطش الظالمين.
وقد ذكر الرواة أن لحظة ولادته كانت في وقت الفجر، وأن الإمام المهدي وُلد ساجدًا لله تعالى، ناطقًا بالشهادتين، وهو ما يعكس ارتباط هذا المولود المبارك بالرسالة الإلهية منذ لحظة ولادته.
هذه الولادة المباركة لم تكن مجرد حدث بيولوجي، بل كانت تدشينًا لمرحلة جديدة من الإمامة الإلهية، مرحلة الغيبة الكبرى التي سبقتها غيبة صغرى، يكون فيها الإمام حاضراً غائباً، يشرف على شؤون الأمة دون أن يظهر بشخصه.
الغَيبة والانتظار… سنن إلهية
قد يتساءل البعض: لماذا الغيبة؟ ولماذا لا يظهر الإمام الموعود منذ ولادته ليقيم دولة العدل؟
الجواب يكمن في سنة الابتلاء والتمحيص التي يشير إليها القرآن الكريم مرارًا، ومنها قوله تعالى:
﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾،
فهذا الغياب يمثّل مرحلة اختبار وتمحيص للإيمان الحقيقي، وتمهيدًا لظهور لا يشبهه ظهور، حيث تكون الأرض مهيأة بالكامل لاستقبال القيادة الإلهية العالمية.
التمكين العالمي والوراثة الشاملة
عند ظهوره المبارك، يحقق الإمام المهدي ما لم يتحقق لأي قائد سابق، إذ يقيم العدل على أنقاض الظلم، ويوحّد البشرية على كلمة التوحيد، ويورث المستضعفين الأرض بكل جوانبها: السياسية، الاقتصادية، الثقافية والروحية.
وقد عبّرت الروايات عن هذا الظهور بأنه خاتمة لحركة الأنبياء، وموعود الإنسانية، ومصداق الوعد الإلهي الذي لم يتحقق من قبل.
الخاتمة: انتظار الفجر الموعود
إن الإيمان بالإمام المهدي هو إيمان بالعدالة الإلهية القادمة، وهو في جوهره إيمان بسنن الله في التمكين والوراثة.
إنه وعد لا بد أن يتحقق، وظهور لا بد أن يشرق، وإن تأخر الزمن، فهو أقرب مما نتصور.
الاستعداد لهذا الظهور لا يكون فقط بالانتظار السلبي، بل بالعمل، وبناء النفس، وإصلاح المجتمع، لنكون ممن يساهمون في وراثة الأرض وتحقيق العدالة على يد الموعود المنتظر.