قناة المعارف الفضائية | سراج العلم والفضيلة
فهرس: المنبر العميد
آخر برامج من: الدكتور الشيخ أحمد الوائلي (ره)
آخر برامج في قناة المعارف الفضائية

تغيير خلق الله – د. الشيخ أحمد الوائلي رحمه الله

جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119].

هذه الآية المباركة من المواضع التي توقف عندها المفسرون والفقهاء مطولًا، لما تحمله من دلالات عميقة ترتبط بفهم مفهوم “تغيير خلق الله”، وما يترتب عليه من آثار فقهية وأخلاقية وعقائدية.

مصادر التشريع في الإسلام تعود أولًا إلى تشريعات الله سبحانه وتعالى، ثم إلى سنة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، ومن بعده الأئمة من أهل البيت عليهم السلام الذين يمثلون الامتداد الحقيقي للرسالة. فنحن لا نأخذ منهم باعتبارهم مجتهدين قد يصيبون أو يخطئون، بل نأخذ باعتبار أن حكمهم هو الحكم الواقعي الصادر عن معصوم.

 

المعنى الأول: تغيير خلق الله في الأنعام والحيوانات:

أحد التفسيرات التي وردت عن المفسرين في قوله تعالى: ﴿فليغيرن خلق الله﴾ أنه يشير إلى الممارسات الجاهلية التي كانت تتم بحق الأنعام، مثل:

قطع الأذن وفقع العين: حيث كان بعض العرب الجاهليين إذا خافوا الحسد على أنعامهم فقأوا عيونها أو بتروا آذانها.

الإخصاء والتعذيب: وهي ممارسات اعتبرها الإسلام إزدراءً للعقل الإنساني، وتعذيبًا للحيوان الذي خلقه الله ليُنتفع به.

لقد جاء الإسلام ليضع أول تشريعات حقوق الحيوان، ففرض على مالكها أن يؤمّن لها: الطعام والشراب، السكن والمأوى، الحماية من الأذى والاعتداء.

بل إن من وجد حيوانًا جائعًا أو عطشانًا أو معرضًا للهلاك، وجب عليه شرعًا أن ينقذه ويوفر له ما يحتاجه. وهذه النقطة تعد من السبق التشريعي للإسلام في حماية الحيوان مقارنة بالقوانين الوضعية الحديثة.

 

المعنى الثاني: تغيير خلق الله أي تغيير دين الله:

تفسير آخر يذهب إلى أن المراد من تغيير خلق الله هو تغيير دين الله، أي الانحراف عن العقيدة الصحيحة والتلاعب بالمنهج الإلهي. ويتم ذلك بوسيلتين:

  1. التلاعب بالنصوص الدينية: إما عبر التحريف المباشر أو إسقاط النصوص عن مقاصدها الشرعية الحقيقية، وهو ما يؤدي إلى ضياع معالم الدين.
  2. الإفتاء بغير علم: قد يتصدى للإفتاء من لا يملك العلم أو التقوى، فيصدر أحكامًا باطلة:

فمن كان يملك أدوات الاجتهاد ويتقي الله تعالى، فإن أصاب الحكم الواقعي فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد.

أما من يتلبس بلباس العلم طمعًا بالمال أو الجاه أو السلطة دون امتلاك أدوات الاجتهاد أو دون تقوى، فإن فتواه تكون باطلة وتدخل في مصاديق تغيير دين الله.

 

دلالة الآية في عصرنا

الآية الكريمة تبقى ذات أبعاد متجددة، فهي تحذر من:

كل ممارسة تفضي إلى إفساد الفطرة أو إيذاء المخلوقات.

كل محاولة لـ تشويه الدين عبر التحريف أو التزييف أو الاستغلال السياسي والاقتصادي.

ومن هنا يتضح أن مفهوم “تغيير خلق الله” لا يقتصر على جانب واحد، بل يشمل البعد المادي (تغيير ملامح الأنعام أو إيذاء الحيوان) و البعد المعنوي (الانحراف عن دين الله وتشويهه).

 

خاتمة

إن قوله تعالى: ﴿فليغيرن خلق الله﴾ يحمل في طياته تحذيرًا خطيرًا للبشرية من الوقوع في مسارين متوازيين:

 

المساس بالفطرة والمخلوقات من خلال الإفساد والتعذيب والتشويه.

المساس بالدين والشريعة عبر التحريف والادعاء والفتوى بغير علم.

ومن هنا، فإن الواجب على المسلمين أن يحافظوا على الفطرة الإنسانية، وعلى أصالة الدين، وأن يتجنبوا الانجرار وراء دعاوى باطلة أو ممارسات جاهلية. فالآية دعوة إلى الثبات على نهج الله، وحماية الدين والحياة معًا.

مواضيع مشابهة

ليتفقهوا في الدين – آيات الأحكام – 212 – حرمة تغيير خلق الله تعالى وكيفية ذلك

أحاديث في تأويل قول رسول الله (ص): خلق الله آدم على صورته