الليلة الأولى من رجب في الإقبال والمراقبة (1) – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله
ليس شهر رجب مجرد محطة زمنية في التقويم، بل هو بوابة الدخول إلى الموسم الإلهي الأعظم. فمنه يبدأ السير، وفيه تُضبط الوجهة، وعليه تُبنى القابلية لما بعده من شعبان ثم شهر الله الأكبر، شهر رمضان، حتى تنتهي الرحلة بليلة القدر.
وقد ورد في الروايات أن لرجب منزلة خاصة عند الله تعالى، وأن الليلة الأولى منه ليست كسائر الليالي، بل هي ليلة تأسيس وبداية، ومن هنا كان اهتمام أمير المؤمنين عليه السلام بها، واعتناؤه ببعض الليالي المفصلية التي تغيّر مسار الإنسان إن أحسن التعامل معها.
الليلة الأولى: بداية العهد لا كثرة العمل:
الخطأ الشائع في التعامل مع الليالي العظيمة هو تحويلها إلى موسم أعمال ظاهرية فقط، بينما الحقيقة أن الليلة الأولى من رجب هي قبل كل شيء ليلة نية وعهد ومراقبة.
في هذه الليلة يبدأ المؤمن بترديد دعاء شهر رجب بعد كل فريضة: (يا مَنْ أَرْجُوهُ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَآمَنُ سَخَطَهُ عِنْدَ كُلِّ شَرٍّ…)
وهذا الدعاء ليس ألفاظًا تُقرأ، بل منهج توحيدي: الرجاء المطلق بالله، الأمان من سخطه لا من غيره، الإيمان بأن عطاياه لا تنقص بالعطاء، وأن الخير كله منه، والدفع كله بيده، من وعايش هذا الدعاء في قلبه، لا بلسانه فقط، فقد دخل فعلاً في شهر رجب.
الإقبال: الدخول على الله كالمُحْرِم:
منذ اللحظات الأولى لدخول شهر رجب، يُستحب للمؤمن أن يشعر شعور من دخل في الإحرام: يراقب كلمته، يراجع نظرته، يحاسب خاطره، ويشعر أنه دخل في زمنٍ له حرمة، فالإحرام ليس لباسًا فقط، بل حالة انضباط داخلي، وكذلك رجب.
فمن دخل رجب بلا إحساس، خرج منه بلا أثر.
وأول أعمال الإقبال هو:
التوبة الصادقة، وليست توبة لفظية، بل: ندم حقيقي وعزم جاد وقرار بعدم الاستهانة بالذنب.
ثم تأتي العزيمة: أن لا يكتفي الإنسان بالواجبات، بل يجتهد – بقدر طاقته – في المستحبات، لا بكثرتها، بل بديمومتها وصدقها.
المراقبة: حفظ المسير قبل تسريعه، فإذا كان الإقبال هو الدخول، فإن المراقبة هي الحفظ.
كثيرون يبدأون بقوة، لكنهم لا يراقبون أنفسهم، فيتسرب منهم رجب دون أن يشعروا.
فالمراقبة تعني:
أن يسأل الإنسان نفسه كل ليلة: هل أنا اليوم أقرب إلى الله من البارحة؟ وأن يلاحظ أثر العبادة على أخلاقه، لا على عدّاد أعماله، وأن يخاف من ضياع الشهر أكثر من خوفه من قلة العمل
كلمة السيد ابن طاووس: فلسفة الزمن
يقول السيد ابن طاووس: (إعلم أن الشهور كالمراحل إلى الموت وإلى ما بعد الموت من المنازل، وأن كل منزل ينزله العبد ينبغي أن يكون محله على قدر ما يتفضل الله جلّ جلاله فيه من إكرامه وإنعامه).
هذه الكلمة تختصر فلسفة رجب:
الزمن ليس متشابهًا والمنازل ليست واحدة ولكل محطة ضيافة إلهية خاصة، ومن سوء الأدب مع الله أن يُعامِل العبدُ ضيافةَ العظماء معاملةَ العابرين.
ضيافة الله: هل نحن أهل لها؟
في كل محطة زمنية عظيمة، هناك ضيافة لكن السؤال الحقيقي: هل نحن أهل لهذه الضيافة؟ أم نمرّ بها كما نمرّ على الأيام العادية؟
فالليلة الأولى من رجب تسألنا بصمت: هل ستجعلني بداية طريق؟ أم مجرّد تاريخ يمرّ؟
خاتمة: من رجب تبدأ القصة
من هذه الليلة يبدأ الموسم الإلهي، ومنها ينطلق المؤمن – إن صدق – في سلم الكمال، درجة بعد درجة، حتى يصل إلى ليلة القدر، حيث يُكتب المصير على قدر ما أُحسن الاستعداد.
فطوبى لمن: دخل رجب بقلبٍ واعٍ وراقب نفسه قبل أن يكثر عمله وجعل الليلة الأولى بداية عهد لا عادة عابرة
لأن من أحسن البداية… أُعين على النهاية

