قناة المعارف الفضائية | سراج العلم والفضيلة
فهرس: أضواء
آخر برامج من: الشيخ حسين الكوراني (ره)
آخر برامج في قناة المعارف الفضائية

الليلة الأولى من رجب في الإقبال والمراقبة (2) – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله

ليس شهر رجب مجرد محطة زمنية تمرّ في تقويم العبادات، بل هو موسم إلهي تُعاد فيه صياغة علاقة العبد بربه، وتُختبر فيه صدقية الانتماء الروحي قبل كثرة الأعمال الظاهرة. ومن يتأمل في روايات أهل البيت عليهم السلام يدرك أن رجب ليس شهر التكليف الشاق، بل شهر الإقبال الواعي، شهر الدخول في الضيافة الإلهية من باب الاحترام والنية الصادقة.

ومن بين المفاهيم العميقة التي قدّمتها مدرسة أهل البيت عليهم السلام في هذا الشهر، يبرز عنوان «الرَّجَبِيِّين»، وهو عنوان يحمل في طياته هوية خاصة، ومقامًا أخرويًا رفيعًا، لا يُنال بالكثرة، بل بالإخلاص.

 

رواية الرَّجَبِيِّين: مشهد من القيامة

ينقل الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام في رواية عظيمة مشهدًا مهيبًا من يوم القيامة، حيث ينادي منادٍ من بطنان العرش: أين الرَّجَبِيُّون؟، فيقوم أناس تضيء وجوههم لأهل الجمع، وعلى رؤوسهم تيجان الملك المكللة بالدرّ والياقوت، ويحيط بكل واحد منهم ألف ملك عن يمينه وألف عن شماله، يهنئونهم بكرامة الله عز وجل.

وهذا النداء من بطنان العرش ليس تفصيلاً عابرًا في النص، بل إشارة دقيقة إلى أن هؤلاء بلغوا مقام القرب، إذ لا يُذكر هذا الموضع في الروايات إلا عند الحديث عن أعلى مراتب التشريف الإلهي، ما يكشف أن الرَّجَبِيِّين ليسوا فئة عادية من أهل الطاعة، بل أصحاب علاقة خاصة بهذا الشهر المبارك.

 

كرامة العبودية وخطاب الرضا الإلهي

ثم يبلغ المشهد ذروته حين يأتي النداء الإلهي المباشر: عبادي وإمائي، وعزّتي وجلالي لأكرمنّ مثواكم، ولأجزِلَنّ عطاياكم، ولأوتينّكم من الجنة غرفًا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها.

وهنا تتجلّى أعظم الكرامات، لا في وصف الجنة فحسب، بل في الخطاب نفسه؛ أن يُنادى العبد بعنوان العبودية المقرونة بالعز، لا بالمهانة، وبالاصطفاء، لا بالمجرد الحساب.

فالعبودية في منطق القرآن وأهل البيت عليهم السلام ليست نقصًا، بل هي ذروة الكمال الإنساني، وحين تُقبل مقرونة بالرضا الإلهي تصبح تاجًا لا يعلوه تاج.

 

السرّ في هذا الفضل العظيم

قد يتبادر إلى الذهن أن هذا المقام يحتاج إلى أعمال خارقة أو مجاهدات شاقة، لكن الإمام الصادق عليه السلام يختصر الطريق بقوله في نهاية الرواية: هذا لمن صام من رجب شيئًا ولو يومًا واحدًا، في أوله أو وسطه أو آخره.

وهنا تتجلّى مدرسة رجب بوضوح؛ فالقضية ليست في كثرة الصيام، بل في احترام الشهر، ولا في طول العبادة، بل في وعيها. فالصوم المقصود ليس مجرد امتناع جسدي عن الطعام والشراب، بل هو صوم النيّة عن الرياء، وصوم القلب عن الغفلة، وصوم السلوك عن المعصية.

ويأتي التعليل الإلهي لهذا الفضل حين يقول تعالى: في شهر عظّمتُ حرمته وأوجبتُ حقّه. فرجب شهر له حرمة خاصة، ومن أدّى حق الشهر، ولو بعمل يسير صادق، أدّى الله له حق الكرامة يوم القيامة.

 

الرجبية: انتماء لا عادة

من هنا نفهم أن الرَّجَبِيّ ليس من مرّ عليه الشهر دون التفات، ولا من اكتفى بالشكل دون الجوهر، بل هو من دخل الشهر وهو يشعر أنه في ضيافة الله، يراقب نفسه، ويخفف من أثقال الذنوب، ويُعيد ترتيب أولوياته الروحية.

فالرجبية ليست صفة تُكتسب بالادّعاء، بل حالة تُبنى بالنية، وتُحفظ بالمراقبة، وتُختم ولو بيوم صيام خالص، فيُكتب صاحبها في سجل من يُنادَى عليهم يوم القيامة بنداء خاص، لا يشاركه فيه سائر الخلق.

 

خاتمة: من رجب تبدأ الطريق

إن من أعظم الخسارة أن يمرّ شهر رجب على المؤمن دون أن يترك أثرًا في قلبه، وأعظم الربح أن يدخل فيه الإنسان ولو بخطوة صادقة، يعلم أن هذه الخطوة قد تُتوَّج بنداء من بطنان العرش يوم لا ينفع فيه إلا الصدق.

فرجب ليس شهر البداية فحسب، بل شهر التعريف بالهوية، فمن أحسن الدخول، أُحسن له الخروج، ومن صدق في القليل، أُكرم في الكثير.

 

مواضيع مشابهة

أضواء – 56- مجاهدة النفس في شهر رجب

فضل شهر رجب وأعماله