الأخلاق أساس الإسلام العملي – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله
مع اقتراب ذكرى المبعث النبوي الشريف، تعود إلى الأذهان قيمة الرسالة السماوية التي حملها النبي محمد صلى الله عليه وآله إلى البشرية، تلك الرسالة التي ارتكزت على أساس متين وهو مكارم الأخلاق. يقول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق“، مُبرزًا أن جوهر الدعوة الإسلامية يكمن في تهذيب النفس وبناء مجتمع قوامه الفضيلة.
الأخلاق: جوهر الإسلام العملي
لا يقتصر الإسلام على العبادات الشكلية فقط، بل يتجلى في سلوك المسلم وأخلاقه. فإن كان الإسلام منظومة شاملة للعقيدة والعمل، فإن الأخلاق تمثل الجانب العملي الذي ينعكس على حياة الفرد والمجتمع.
إن المسلم الذي يسعى لأن يكون إسلامه عمليًا لا بد أن يتحلى بمجموعة من الأخلاق السامية مثل الصدق، الأمانة، الإحسان، العدل، والتسامح. فهذه القيم ليست مجرد شعارات تُرفع، بل هي أفعال يومية تُمارس وتجعل الإنسان نموذجًا يحتذى به.
الصبر: مفتاح الأخلاق
لعل أهم الصفات التي تعين المسلم على التمسك بالأخلاق هي الصبر. فالصبر ليس مجرد قدرة على التحمل، بل هو مفتاحٌ يفتح للإنسان أبواب التهذيب النفسي والتزكية الأخلاقية. في مواجهة التحديات اليومية والمغريات الدنيوية، يُصبح الصبر سلاحًا لا غنى عنه لتحقيق الاتزان النفسي والسلوكي.
يقول الإمام علي عليه السلام: “الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد“، إشارةً إلى أن الإيمان لا يكتمل إلا بالصبر. وإن كان الصبر طريقًا طويلًا وشاقًا، فإن مفتاحه يكمن في التصبر، أي التدرج في تعويد النفس على التحمل وضبط الانفعالات. يقول النبي صلى الله عليه وآله: “ومن يتصبر يصبره الله“، مما يعزز أهمية المجاهدة الذاتية للوصول إلى هذه الفضيلة.
التصبر: خطوة عملية نحو الصبر
عملية التصبر تبدأ من الإرادة الداخلية للإنسان، حين يقرر مواجهة الأزمات بالصبر بدلًا من التذمر. يمكن تلخيص خطوات التصبر في ما يلي:
- التدرج والتدريب: مثلما يحتاج الجسد إلى تمرين، تحتاج النفس إلى التمرس على التحمل.
- التذكير بالأجر والثواب: استحضار الأجر الكبير الذي وعد الله به الصابرين.
- التأمل في تجارب الأنبياء والصالحين: قراءة سيرهم تلهم الإنسان قوة الصبر.
أثر الصبر على الأخلاق
عندما يتحلى المسلم بالصبر، فإنه يكتسب القدرة على ضبط النفس، مما ينعكس إيجابًا على جميع أخلاقياته:
- الصدق: يحتاج الصبر لتجنب الكذب في المواقف الحرجة.
- الحلم: يُعين الصبر على كظم الغيظ والتحكم في الغضب.
- الإحسان: بالصبر يمكن للإنسان العطاء دون كلل أو انتظار مقابل.
خلاصة
إن ذكرى المبعث النبوي الشريف تذكرنا بأن الإسلام ليس مجرد شعائر تُؤدى، بل هو دعوة للتمسك بمكارم الأخلاق في جميع مجالات الحياة. وبما أن الصبر هو مفتاح الأخلاق، فإن تعويد النفس على التصبر هو أولى خطوات النجاح الأخلاقي والعملي.
لنجعل من هذه الذكرى محطة للتغيير الذاتي، ولنستحضر قول النبي صلى الله عليه وآله: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق“، ولنعمل على غرس قيم الصبر والتصبر في حياتنا لتكون الأخلاق الإسلامية هي المعيار الذي ننطلق منه في تعاملنا مع أنفسنا ومع الآخرين.
مواضيع مشابهة
قبسات من حياة النّبي (ص)
أحاديث في المبعث وإظهار الدعوة وما لقي من القوم