قناة المعارف الفضائية | سراج العلم والفضيلة
فهرس: أضواء
آخر برامج من: الشيخ حسين الكوراني (ره)
آخر برامج في قناة المعارف الفضائية

قراءة في دعاء اليوم الثالث من شهر شعبان – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله

يأتي شهر شعبان ليكون من أعظم محطات التهيئة الروحية قبل الدخول في شهر الله الأكبر، شهر رمضان المبارك. وهو شهرٌ ارتبط بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطاهرين ارتباطًا خاصًا، حتى ورد في الروايات: «شعبان شهري». وفي أدعية هذا الشهر تتجلّى مدرسة تربوية متكاملة، تعلّم المؤمن كيف يقف بين يدي الله تعالى بصدق، وكيف يجمع بين الخضوع، والرجاء، والتوسل، والعمل.

ومن هذه الأدعية العميقة دعاء اليوم الثالث من شهر شعبان، الذي يحمل مضامين عقائدية وسلوكية دقيقة، تكشف عن حقيقة العبودية، وموقع أهل البيت عليهم السلام في مسيرة القرب الإلهي.

 

التوسل بحق محمد وآله… مدخل القرب الإلهي

يقول الدعاء: (اللَّهُمَّ فَبِحَقِّهِمْ إِلَيْكَ أَتَوَسَّلُ)

التوسل هنا ليس طلبًا شكليًا، ولا استعاضة عن الله، بل هو اعتراف عملي بأن الله تعالى جعل لأوليائه مقامًا خاصًا، وجعلهم وسائط رحمته، وأبواب فضله. فالمؤمن حين يتوسل بحق محمد وآله عليهم السلام، إنما يتوسل بما أحبه الله واصطفاه، وبما جعله طريقًا إليه.

وهذا التوسل يحمل في طيّاته إقرارًا ضمنيًا بالعجز عن الوصول إلى الله بالعمل المجرد، وبأن النجاة لا تكون إلا بالالتحام بخط الولاية، الذي هو الامتداد الحقيقي للنبوة.

 

سؤال المذنب لا سؤال المدّعي

ثم ينتقل الدعاء إلى وصفٍ دقيق لحال الداعي: (وَأَسْأَلُ سُؤَالَ مُقْتَرِفٍ مُعْتَرِفٍ، مُسِيءٍ إِلَى نَفْسِهِ).

إنه من أعمق مقاطع الدعاء؛ إذ يعلّم المؤمن كيف يقف بين يدي الله بلا أقنعة.

لا سؤال المتكبر، ولا سؤال المدّعي الصلاح، بل سؤال من يقرّ بذنبه، ويعترف بتقصيره، ويعلم أن إساءته لم تكن إلا لنفسه.

 

وهنا تتجلى حقيقة مهمّة:

أن الاعتراف بالتقصير ليس ضعفًا، بل هو أول أبواب القوة الروحية، وأن الإنكسار بين يدي الله هو أعظم حالات القرب.

من التفريط إلى طلب العصمة

يقول الدعاء: (مِمَّا فَرَّطَ فِي يَوْمِهِ وَأَمْسِهِ، يَسْأَلُكَ الْعِصْمَةَ إِلَى مَحَلِّ رَمْسِهِ).

الإنسان يعيش غالبًا أسر التفريط: تفريط في العمر، تفريط في الطاعة، تفريط في الفرص التي لا تعود.

لكن الدعاء لا يترك الإنسان في دائرة الندم العقيم، بل ينقله إلى أفق أسمى: طلب العصمة.

والعصمة هنا ليست عصمة الأنبياء والأئمة، بل عصمة التسديد الإلهي، والحفظ من الانزلاق، والثبات على طريق الطاعة حتى آخر لحظة من العمر.

إنها دعوة لأن يكون مشروع المؤمن هو سلامة الخاتمة، لا مجرد كثرة الأعمال.

 

الحشر في زمرة النبي ودار الكرامة

ثم يرتقي الدعاء إلى أعلى الأمنيات: (للَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعِتْرَتِهِ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ، وَبَوِّئْنَا مَعَهُ دَارَ الْكَرَامَةِ، وَمَحَلَّ الْإِقَامَةِ.)

ليس المطلوب مجرد النجاة من النار، بل مرافقة النبي صلى الله عليه وآله.

فالدار التي يسكنها رسول الله هي دار الكرامة، والإقامة معه هي غاية كل سالكٍ صادق.

وهنا يظهر بوضوح أن الإيمان الحقيقي لا يقف عند حدود الفرد، بل يطمح إلى الاندماج في الجماعة المصطفاة، جماعة النور والرسالة.

 

المعرفة مسؤولية… والزلفة ثمرة

يقول الدعاء: (اللَّهُمَّ وَكَمَا أَكْرَمْتَنَا بِمَعْرِفَتِهِ فَأَكْرِمْنَا بِزُلْفَتِهِ….)

المعرفة نعمة عظيمة، لكنها ليست نهاية الطريق.

فكم من عارفٍ ضيّع المعرفة، وكم من مدّعٍ لها لم يعمل بمقتضاها.

الدعاء يعلّمنا أن المعرفة يجب أن تتحول إلى زلفة، والزلفة لا تتحقق إلا بالطاعة، والتسليم، وكثرة الصلاة على النبي وآله، والالتزام بخط الأوصياء الاثني عشر، الذين وصفهم الدعاء بـ “النجوم الزهر، والحجج على جميع البشر”.

 

من كرامة الحسين إلى ملجأ المؤمنين

ويُختتم الدعاء بمقطع مؤثر: (كَمَا وَهَبْتَ الْحُسَيْنَ لِمُحَمَّدٍ جَدِّهِ، وَعَاذَ فُطْرُسُ بِمَهْدِهِ)

هنا يتحول الدعاء من المفهوم إلى المشهد، ومن العقيدة إلى العاطفة الواعية.

الحسين عليه السلام هو أعظم موهبة إلهية لرسول الله، وهو ملجأ المستجيرين، حتى من الملائكة.

 

وحين يقول المؤمن:

(فَنَحْنُ عَائِذُونَ بِقَبْرِهِ مِنْ بَعْدِهِ)

فهو لا يطلب الحجر والتراب، بل يطلب الأمان في خط الشهادة، والرجوع الصادق، وانتظار الأوبة الكبرى مع الإمام المنتظر عجل الله فرجه.

 

وفي الختام:

دعاء اليوم الثالث من شهر شعبان ليس ألفاظًا تُتلى، بل منهجًا يُعاش.

إنه يعلّم المؤمن: كيف يعترف دون يأس، وكيف يتوسل دون غلو، وكيف يرجو دون غرور، وكيف ينتظر دون فتور.

فطوبى لمن جعل من هذا الدعاء مرآة لنفسه، وخارطة لطريقه، وزادًا روحيًا في مسيرته نحو الله.

 

مواضيع مشابهة

المنبر العميد – 299 – ولادة الإمام الحسين عليه السلام

البكاء على الإمام الحسين (ع)