قناة المعارف الفضائية | سراج العلم والفضيلة
فهرس: أضواء
آخر برامج من: الشيخ حسين الكوراني (ره)
آخر برامج في قناة المعارف الفضائية

كيف نستعد لضيافة الله تعالى؟ (1) – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله

أمضى المؤمنون أيّام وليالي شهري رجب وشعبان بالعبادة والتقرّب إلى الله تعالى، فكانا بمثابة التمهيد الروحي للدخول في شهر رمضان، شهر الضيافة الإلهيّة. فمن أحسن الزرع في رجب، وسقاه بالذكر في شعبان، دخل رمضان بقلبٍ حيٍّ، وروحٍ مستعدّةٍ لتلقّي الفيوضات.

والعبادة في شهر رمضان ليست عملاً معزولًا عن الماضي، بل هي حصيلة تراكمٍ إيمانيٍّ يبدأ قبل الهلال، ويتجلّى في ليلة القدر الكبرى، حيث تُوزَّع الجوائز العظمى، ويُقدَّر للعبد ما يكون في عامه. فهل نكون من المؤهّلين لتلك العطايا؟

هنا يبرز السؤال الجوهري: كيف نستعدّ لضيافة الله تعالى؟

في آخر أسبوع من شهر شعبان، ينبغي أن يحرص المؤمن على إنجاز مهمّتين أساسيتين تمهّدانه للدخول في شهر الله بقلبٍ سليم.

 

المهمة الأولى: تدارك التقصير… قبل فوات الأوان:

الاستعداد الحقيقيّ يبدأ بالمراجعة والمحاسبة. فلا يدخل العبد شهر الله وهو يحمل أوزار الأمس دون توبة، أو يجرّ خلفه ذنوبًا لم يُقلع عنها.

وقد رُوي عن أبي الصلت، قال: دخلت على الإمام الرضا عليه السلام في آخر جمعة من شعبان، فقال:

(يا أبا الصلت، إنّ شعبان قد مضى أكثره، وهذا آخر جمعة فيه، فتدارك فيما بقي منه تقصيرك فيما مضى منه.

وعليك بالإقبال على ما يعنيك، وترك ما لا يعنيك. وأكثر من الدعاء والاستغفار وتلاوة القرآن.

وتُب إلى الله من ذنوبك ليُقبل شهر الله إليك وأنت مخلص لله عزّ وجلّ.

ولا تدعنّ أمانةً في عنقك إلا أدّيتها.

ولا في قلبك حقدًا على مؤمن إلا نزعته.

ولا ذنبًا أنت مرتكبه إلا أقلعت عنه.

واتّقِ الله، وتوكّل عليه في سرّ أمرك وعلانيتك.

ومن يتوكّل على الله فهو حسبه إنّ الله بالغ أمره قد جعل الله لكلّ شيءٍ قدرًا.

وأكثر من أن تقول فيما بقي من هذا الشهر:

اللهمّ إن لم تكن غفرت لنا فيما مضى من شعبان فاغفر لنا فيما بقي منه، فإنّ الله تبارك وتعالى يعتق في هذا الشهر رقابًا من النار لحرمة هذا الشهر).

 

دلالات هذا التوجيه الشريف:

المبادرة قبل الانتهاء: ما دام في العمر بقية، فباب التدارك مفتوح.

الاشتغال بما يعني: ترك فضول الكلام، وفضول النظر، وفضول الانشغال.

تصفية القلب: لا يدخل رمضان وقلبك مثقل بالحقد.

أداء الحقوق: فحقوق العباد مقدّمة على كثيرٍ من النوافل.

الإقلاع عن الذنب لا تأجيله: التوبة ليست وعدًا مؤجّلًا لما بعد رمضان.

إنها لحظة مراجعة صادقة، يكون فيها المؤمن بين يدي ربّه معترفًا بتقصيره، مستشعرًا حاجته، طالبًا العصمة إلى محلّ رمسه، أي إلى قبره.

 

المهمة الثانية: وضع برنامج عبادي لشهر رمضان

الدخول في شهر رمضان بلا خطّة، كمن يدخل ميدانًا عظيمًا بلا استعداد. إنّ البركات فيه عظيمة، لكن اغتنامها يحتاج إلى تنظيم.

الخطة التي يضع المؤمن على أساسها برنامجه العبادي، حدّدها رسول الله صلى الله عليه وآله في خطبته المعروفة في استقبال شهر رمضان، حيث رسم معالم الشهر: شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار.

 

فالبرنامج العبادي ينبغي أن يشمل:

1. برنامج القرآن: وردٌ يومي لا يقلّ عن جزءٍ واحد (30 جزءًا في 30 يومًا)، وتدبّر ولو في آيةٍ واحدة يوميًا.

2. برنامج الدعاء والمناجاة:قراءة دعاء الافتتاح في الليالي، الإكثار من الصلاة على محمد وآله، وتخصيص وقتٍ لمناجاة صادقة في السحر.

3. برنامج المحاسبة اليومية: مراجعة النفس قبل النوم، الاستغفار عمّا صدر، وتجديد النيّة لصوم اليوم التالي.

4. برنامج خدمة الناس: تفطير صائم ولو بتمرة، إدخال السرور على مؤمن، وصلة رحمٍ مقطوعة.

 

الاستعداد ليس شكليًا… بل تحوّل داخلي

الاستعداد لضيافة الله لا يعني تبديل جدول الطعام فقط، بل تبديل موقع القلب. أن يتحوّل العبد من الغفلة إلى الذكر، ومن الانشغال بالدنيا إلى التهيؤ للقاء الله.

رمضان ليس شهر الجوع، بل شهر القرب. وليس موسم التعب، بل موسم الصفاء.

ومن أكرمه الله بالدخول فيه بقلبٍ مهيّأ، فليعلم أنّه مدعوٌّ إلى مائدةٍ ليست كسائر الموائد؛ إنها مائدة الرحمة، والمغفرة، والرضوان.

 

خاتمة: هل نكون من الضيوف حقًا؟

في آخر أيّام شعبان، يقف المؤمن على أعتاب شهر الله، وكأنّ بابًا عظيمًا يُفتح أمامه. فإمّا أن يدخل بقلبٍ طاهرٍ مستعدّ، وإمّا أن يبقى عند العتبة مشغولًا بما تركه خلفه.

فلنغتنم ما بقي، ولنُصلح ما فسد، ولنضع لأنفسنا برنامجًا واضحًا، حتى إذا أقبل رمضان، كنّا من أهله، لا من الغافلين عنه.

 

مواضيع مشابهة

خير الزاد – 1061 – الاستعداد لشهر رمضان الفضيل

كيف اجعله خير شهر رمضان مر علينا؟!