كيف نستعد لضيافة الله تعالى؟ (2) – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله
إذا كان شهر رمضان شهر الضيافة، فإنّ التوكّل هو بطاقة الدخول، ولا يدخل ضيفٌ إلى مائدةٍ عظيمةٍ وهو يحمل في قلبه الاعتماد على غير صاحب الدعوة.
إنّ من أهمّ الأمور التي تؤهّلنا للدخول في ضيافة الله تعالى هو التوكّل الصادق عليه. لكنّ السؤال: هل نملك التوكّل حقًّا، أم نملك صورةً عنه فقط؟
كثيرٌ منّا يتلفّظ بكلمة “توكلت على الله”، بينما القلب معلّق بالأسباب، والنفس متشبّثة بالأنا، والاعتماد الحقيقيّ على البشر لا على ربّ البشر.
التوكّل ليس شعارًا… بل سقوط الأنا
التوكّل الحقيقي ليس الذي نتوهّمه، فمن يرى “الأنا” قائمةً في نفسه، مستقلةً بقوّتها، معجبةً بتدبيرها، لا يُعدّ متوكّلًا على الله تعالى.
التوكّل يعني أن ترى نفسك فقيرًا في كلّ شيء، محتاجًا في كلّ حال، عاجزًا لولا عونه، والذي يُعرض عن أوامر الله تعالى، ثمّ يدّعي التوكّل عليه، كيف يكون متوكّلًا؟ أليس التوكّل تسليمًا؟ وأليس التسليم طاعةً؟ إنّ التوكّل بلا التزامٍ بالطاعة، هو تمنٍّ لا حقيقة له.
التوكّل صدق التوحيد:
التوكّل ليس مجرّد حالة نفسيّة، بل هو ثمرة التوحيد الصادق، عندما يشهد القلب أنّ الله هو الفاعل الحقيقيّ، وأنّ الأسباب بيده، وأنّ النتائج بقدره، يتحقّق التوكّل.
ولهذا جاء الوعد الإلهيّ الحاسم: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ “حسبه: أي كافيه.
كلمة واحدة تختصر الوجود كلّه.
من كان الله كافيه، ماذا يفقد؟ ومن لم يكن الله كافيه، ماذا يملك؟
أين نطلب حاجاتنا؟
كثيرٌ منّا إذا احتاج مالًا، أو أراد ردّ حقّ، أو خاف من ظلم، أسرع إلى العباد، يطرق أبوابهم، ويتعلّق بوعودهم.
ولا إشكال في الأخذ بالأسباب، لكنّ الخلل في الاعتماد القلبي.
الله تعالى يقول: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾
اتّخذه وكيلًا…
أي سلّم أمرك إليه، واطلب منه، وقدّم بابه على كلّ باب، الذي لا يطلب إلا من الله تعالى، لا يردّه الله خائبًا، فقد يؤخّر الإجابة، لكنّه لا يردّ الدعاء، وقد يبدّل العطاء، لكنّه لا يضيع الطلب.
التوكّل والاستعداد لرمضان
كيف يرتبط التوكّل بضيافة الله؟
الذي يدخل رمضان وهو معتمد على حوله وقوّته، سيتعب سريعًا.
والذي يدخل وهو مستندٌ إلى الله، سيُعان على الصيام، ويعان على القيام، ويعان على غضّ البصر، ويعان على ضبط اللسان.
التوكّل يجعل العبادة خفيفةً، لأنّ القلب لا يحملها وحده.
اجعل الله وكيلك قبل أن تدخل شهره:
نحن على أعتاب شهرٍ عظيم، والموفّق من يسبق دخوله بتصحيح اعتماده.
فلنراجع قلوبنا: على من نتوكّل حقًّا؟ إلى من نفزع عند الشدائد؟ وأين نتوجّه عند الحاجة؟
إذا أردنا أن نكون ضيوفًا حقيقيّين على مائدة الله، فعلينا أن نكون عبيدًا حقيقيّين له في الاعتماد والطلب.

