كيف نستعد لضيافة الله تعالى؟ – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله
حين يقترب شهر رمضان، لا يكون السؤال: ماذا سنفعل في الشهر؟ بل: من نحن عند دخوله؟ فإنّ الضيافة الإلهية لا تُستقبل بالأعمال وحدها، بل بقلوبٍ صافيةٍ مُهيّأة. ومن هنا كان نزع الحقد من القلب أوّل عتبةٍ في طريق الاستعداد.
وصية الإمام الرضا عليه السلام: تصفية القلب قبل تكثير العمل
يروي أبو الصلت الهروي أنّه دخل على الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام في آخر جمعةٍ من شعبان، فقال له:
يا أبا الصلت، إنّ شعبان قد مضى أكثره، وهذا آخر جمعةٍ فيه، فتدارك فيما بقي منه تقصيرك فيما مضى منه… ولا تدعنّ أمانةً في عنقك إلا أدّيتها، ولا في قلبك حقداً على مؤمنٍ إلا نزعته، ولا ذنباً أنت مرتكبه إلا قلعت عنه… واتقِ الله وتوكّل عليه في سرّ أمرك وعلانيتك، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: 3).
تأمّل كيف قرن الإمام عليه السلام بين ردّ الأمانة ونزع الحقد؛ فكأنّ الحقد أمانةٌ فاسدة في القلب يجب ردّها إلى العدم قبل أن يُقبل شهر الله. إنّ القلب الممتلئ غيظًا لا يسع نورًا، والبيت الذي تتكدّس فيه الأوساخ لا يصلح لاستقبال ضيفٍ كريم.
الحِقد: حجابٌ بين العبد وربّه
الحقد ليس مجرّد شعورٍ عابر، بل هو إقامةٌ للخصومة في باطن النفس. هو تكرارُ الجرح، واستدعاءُ الألم، وبناءُ روايةٍ سوداء عن الآخر. ومع هذا كلّه نطمع أن تُفتح لنا أبواب السماء في رمضان!
لقد علّمنا أهل البيت عليهم السلام أنّ العبادة روحٌ قبل أن تكون صورة، وأنّ صيام الجوارح لا يكتمل إلا بصيام القلوب. فكيف نصوم عن الطعام ولا نصوم عن الضغينة؟ وكيف نطلب المغفرة ونحن لا نغفر؟
خطبة النبي صلى الله عليه وآله: رمضان شهر تصفية السرائر
في خطبته المشهورة في استقبال شهر رمضان، قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
(أيها الناس، إنّه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة… فاسألوا الله ربكم بنيّاتٍ صادقة وقلوبٍ طاهرة أن يوفّقكم لصيامه وتلاوة كتابه).
فالشرط الأوّل هو القلب الطاهر. والطهارة هنا ليست طهارة الظاهر، بل طهارة السريرة. إنّ الله تعالى يقول: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، والسريرة المثقلة بالحقد لا تقوى على الوقوف في مقام المناجاة.
خطوات عملية لنزع الحقد قبل رمضان
محاسبة النفس: اجلس مع نفسك جلسة صدق، واسألها: على من أجد في قلبي شيئًا؟ ولماذا؟
استحضار الفناء: تذكّر أنّك وهو ستقفون بين يدي الله، فهل يليق أن تحمل خصومةً إلى هناك؟
الدعاء لمن أساء إليك: فإنّ الدعاء يُذيب ما لا تذيبه المجادلات.
المبادرة إلى الإصلاح: رسالة، اتصال، اعتذار، أو عفو صريح؛ خطوةٌ واحدة قد تفتح لك بابًا في السماء.
التوكّل الصادق: كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، فدع حقّك عند الله، ولا تجعل قلبك ساحةً للانتقام.
التوكّل: صِدق التوحيد في مقام الصفاء
من لوازم نزع الحقد أن تُسلّم الأمر لله. كثيرٌ من أحقادنا تنشأ من شعورٍ بأنّنا لم نُنصف. لكنّ المؤمن الحق يعلم أنّ الله بالغ أمره، وأنّه لا يضيع حقًّا عنده. فإذا صدق التوكّل، سقطت الحاجة إلى الضغينة.
رمضان: فرصة إعادة بناء القلب
شهر رمضان ليس محطةً عابرة، بل هو مدرسة إعادة التكوين. ومن لم يبدأ بإصلاح قلبه، فاته جوهر الضيافة. إنّنا لا نُدعى إلى مائدةٍ عادية، بل إلى مائدة الله؛ ومن أدب الضيافة أن تدخل بقلبٍ سليم.
فلنسأل أنفسنا قبل أن يهلّ الهلال:
هل نحن مستعدّون أن نُسقط من قلوبنا ما أثقلها؟
هل نستطيع أن نُقبل على الله بلا خصومةٍ مع عباده؟
إنّها ساعة القرار. فمن نزع الحقد قبل رمضان، دخل الشهر خفيف الروح، واسع الصدر، قريبًا من الرحمة. ومن دخل بقلبٍ سليم، خرج بمغفرةٍ عظيمة.

