عظمة شهر رمضان المبارك (1) – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله
شهر رمضان ليس موسمًا روتينيًا نكرره كل عام، بل ضيافة إلهية عظيمة يُنتظر أن تترك أثرًا في قلوبنا وسلوكنا. الخطر أن تأسرنا العادة؛ فنصوم ونقوم، لكن من غير هيبة ولا حضور قلبي، مع أن كل لحظة في هذا الشهر فرصة للاقتراب من الله وتزكية النفس.
شهر البركة والمغفرة بين العبد وربه والناس
من أبرز أوصاف شهر رمضان أنه شهر البركة؛ فالبركة تظهر في الوقت والرزق والنتائج، فيجد الإنسان تيسيرًا في أعماله، وكأن جهده القليل يعطي ثمرًا أكبر من المعتاد.
وهو كذلك شهر المغفرة على مستويين: مغفرة الله لعباده، وهي مفتوحة لمن صدق في التوبة والرجوع، ومغفرة الناس بعضهم لبعض؛ وهنا يقع التقصير الأكبر.
فكثيرون يرفعون أيديهم في ليالي شهر رمضان طالبين المغفرة، لكنهم يحتفظون في قلوبهم بحقد شديد على من أساء إليهم، بل ربما دعوا عليه أن لا يغفر الله له أبدًا. هذا تناقض صارخ؛ فالعاقل يطالب بحقّه بلا لؤم ولا حقد، فيقول: “يا رب، أوصل إليَّ حقي” لكنه لا يتمنّى الهلاك لخصمه ولا يعيش على الانتقام منه. شهر رمضان يربّينا على أن نُسقِط من قلوبنا روح التشفي، وأن نقبل اعتذار من يطلب منا الصفح قدر الإمكان؛ لأن من يرحم الناس يكون أحقّ برحمة الله.
الرحمة بدل قسوة القلب
شهر رمضان هو شهر الرحمة، فلا يليق بمن يطرق باب رحمة الله أن يقسو على من حوله. قسوة القلب تتجلى في صور كثيرة: صراخ الأم على أولادها، إهانة الزوج لزوجته أو العكس، تحقير الضعفاء، والتعامل الجاف مع الناس. هذه السلوكيات لا تترك جرحًا لحظيًا فقط، بل تشوّه شخصية الأطفال الذين يرونها، فيتعلمون منهم نفس الأسلوب في التعامل مع إخوتهم والآخرين.
الصوم الحقيقي يلين القلب؛ فمن علامات بركة هذا الشهر أن يخفّ غضبنا، وأن نقلّل من الكلام الجارح والصراخ، وأن نتعلّم الرفق بدل العنف، خاصة داخل البيت. من غير المقبول أن نرفع أيدينا بالدعاء في الليل، ثم نرفع أصواتنا على أهلنا في النهار بالشتائم والتجريح.
شهر رمضان معيار للتغيّر في حياتنا
من أعمق المعاني التي ذكرتها المحاضرة أن الصيام المقبول يترك تغييرًا في صاحبه. إذا انتهى شهر رمضان ولم يتغيّر شيء في أخلاقنا وعاداتنا، في طريقة ردود أفعالنا أو تعاملنا مع الناس، فهذا مؤشر خطير على ضعف أثر الصوم في نفوسنا.
فالتغيير المطلوب ليس تحوّلًا كاملًا في ليلة واحدة، لكن على الأقل: أن نقلّل من سرعة الغضب، أن نضبط لساننا عند الزعل، أن نراجع تصرفاتنا الجارحة ونعتذر عنها، وأن نشعر بهيبة خاصة لهذا الشهر، تردعنا عن التمادي في المعاصي.
من الجميل أن يتوقف الإنسان في آخر الشهر ويسأل نفسه بصدق: هل أصبحت ألين قلبًا؟ هل قلَّت غيبتي للناس؟ هل تحسّن أدبي مع أهلي وأولادي؟
إن وجد شيئًا من ذلك، فهذه بشائر قبول.
شهر التوبة والإنابة والقرآن
شهر رمضان هو شهر التوبة والإنابة معًا: فالتوبة: أن نترك الذنب ونندم عليه، والإنابة: أن نرجع إلى الله رجوعًا عمليًا، فنغيّر عاداتنا السيئة في الصلاة والعبادة والعلاقة مع الناس.
وهو كذلك شهر القرآن؛ فيه تتضاعف أجور التلاوة. من غير المعقول أن يمرّ الشهر ولا يكون لنا ورد ثابت من القرآن، ولو صفحة أو حزبًا يوميًا؛ فلو كان على كل آية مكسب دنيوي لاجتهدنا، فكيف وثوابه عند الله أعظم وأبقى. قراءة القرآن أيضًا باب خير لأهلنا وأمواتنا؛ نهدي لهم ثواب ما نقرأ فنُثاب نحن وهم معًا.
شهر الدعاء وقيام الليل
ومن خصوصيات هذا الشهر أنه شهر الدعاء، خاصة في أوقات السحر؛ حيث يجتمع السحور والاستغفار وقيام الليل. لا يُشترط أن يطيل الإنسان القيام؛ يكفي أن يبدأ بالقليل: ركعتان خفيفتان، أو قراءة قصيرة، أو دعاء بخشوع. المهم أن يكون له نصيب ولو يسير من هذا الوقت المبارك.
من الأدعية العظيمة في هذا الشهر دعاء البهاء في أسحار شهر رمضان، ودعاء أبي حمزة الثمالي، ويمكن قراءتهما على شكل مقاطع قصيرة بتدبر، بدل محاولة إنهائهما كاملة بلا حضور قلب.
خاتمة
شهر رمضان ليس فقط امتناعًا عن الطعام والشراب، بل هو مشروع إصلاح شامل للقلب واللسان والسلوك: نتعلّم فيه المغفرة بدل الحقد، والرحمة بدل القسوة، والتوبة والإنابة بدل الإصرار على المعصية، وصحبة القرآن والدعاء بدل لهو الوقت وضياعه.

