عظمة شهر رمضان المبارك – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله
شهر رمضان ليس موسم عبادة عابرًا فحسب، بل هو زمن ضيافة؛ فالصائم ضيف عند الله في هذا الشهر، كما أن الحاج ضيف عند الله في بيته الحرام. الصائم «ضيف زماني، والحاج أيضًا ضيف الله»، فيشتركان «في أنهما في ضيافة الله عز وجل».
من أخطر ما يذكر في هذا السياق قولهم: من مضى عليه الشهر «ولم يُستجب له، فمتى يُنتظر الإجابة؟»، حتى قيل إن «الشقي من حُرم غفران الله في هذا الشهر العظيم».
هذه العبارات تهزّ القلب؛ لأن من عاش شهر رمضان كلّه في الغفلة، لا في الدعاء والتوبة، يكون قد أضاع موسمًا لا يُعوَّض بسهولة.
التدين الحق… بين الشعارات والأخلاق
من الخطورة بمكان أن يكون حبّ أهل البيت وشعارات التدين على اللسان، لكن الأخلاق بعيدة كل البعد عنهم. تُذكر شكوى امرأة عن زوج «يُظهر حبّه لأهل البيت… وكثير الزيارة لمشاهدهم، ولكن ليس له شيء من أخلاق أهل البيت».
هذا النموذج ينفّر الناس من طريق الحق؛ لذلك جاء التوجيه: «كونوا لنا زينًا ولا تكونوا علينا شينًا». فليست المشكلة في كثرة الزيارة أو كثرة الذكر، بل في غياب أثر ذلك على السلوك، في البيت أولًا ومع الناس عمومًا.
قاعدة من الإمام في طلب الحاجة
ينقل الإمام الصادق عن أبيه الإمام الباقر عليهما السلام طريقة في الدعاء تصلح أن تكون قاعدة عملية لكل مؤمن. يقول: «كان أبي إذا طلب الحاجة، طلبها عند زوال الشمس».
وقت الزوال (وقت صلاة الظهر) من أوقات استجابة الدعاء، كما أن هناك أوقاتًا أخرى ذُكرت مثل: ساعة السَّحَر، ووقت نزول المطر، وقطرة دم الشهيد، ووقت الخطبة قبل الصلاة، وغير ذلك.
قد لا نعلم الحكمة الكاملة من تفضيل هذا الوقت، لكن الأدب الشرعي أن نقول: لعله وقتٌ يتفرّد فيه الذاكر بالله وسط انشغال الناس بأعمالهم؛ فالكل في حركة ومعاش، ومن يقف في هذا الوقت ليدعو ربّه يتميّز بإقباله في زمن غفلة عامة.
مفاتيح لفتح أبواب الإجابة
لا يكتفي الإمام بتحديد الوقت، بل يذكر مقدمات عملية للدعاء:
الصدقة قبل الدعاء
«أولًا قدّم شيئًا فتصدّق به»، فالصدقة تستنزل الرحمة، ولو كانت قليلة، فالعبرة بتحقق عنوان الصدقة، لا بكثرة المال.
يشير الكلام إلى تمييز بين صدقة “مدفوعة” و”مقبوضة”:
– المدفوعة: تعطيها للفقير مباشرة.
– المقبوضة: تنيب نفسك وكيلاً عن الفقير؛ فتقبض المال في يدك بنية أنه له، ثم توصله بعد ذلك أو توكّل غيرك، وكأن الفقير قبضه الآن. هذه الصورة تعمّق حضور نية الإحسان في القلب.
استعمال الطيب
يذكر أن «الطيب عجيب، له أثره» حتى قيل: «صلاة المتطيّب بسبعين ضعفًا» من ثواب صلاة غير المتطيّب.
فكما نستعدّ لمقابلة إنسان مهم بأجمل هيئة، كذلك ينبغي أن نتأدب في الوقوف بين يدي الله، وقد جُعل الطيب من موجبات القبول.
اختيار المسجد مكانًا للدعاء
لم يكن الإمام يدعو في أي مكان وحسب، بل كان «يذهب إلى المسجد» ليدعو هناك؛ لأن المسجد بيت الله، ومن لزم بابه لا يضيع.
يُشجَّع المؤمن على أن يجعل للمسجد نصيبًا من وقته، لا للصلاة فقط، بل أيضًا للأنس الروحي؛ فكم من قلب فُتح له باب الفرج في لحظة خلوة في مسجد هادئ، بعيد عن ضوضاء الدنيا.
هذه المقدمات: صدقة، طيب، مسجد، وقت زوال، تشكّل معًا “مركّبًا” من موجبات إجابة الدعاء.
الدعاء للغير… كنزٌ لك يوم القيامة
من آداب الدعاء المهمة أن لا يقتصر المؤمن على نفسه، بل يدعو للناس أيضًا. يُستحب أن يدعو بلسان لم يعصِ الله به، كأن يدعو لأخيه المؤمن بلسانه، فيكون الدعاء خارجًا من لسان “نقيّ” من جهة ذلك الأخ.
يمكن تحويل الجلسات العائلية والمجالس اليومية إلى محطات دعاء خفيف: أثناء حديثك مع أهلك تذكّرت مريضًا أو محتاجًا، فاقطع الكلام لحظة، وصلّ على النبي، وقل: «اللهم اشف فلانًا»؛ لا حاجة لتأجيل الدعاء إلى “وقت خاص”.
الجميل أن من يكثر من الدعاء للآخرين ينال جزاءً عظيمًا؛ ففي الحديث أن عبدًا «يُؤمر به إلى النار» في يوم القيامة، فيُسحب إليها سحبًا، «فإذا بنداء من المؤمنين والمؤمنات» الذين دعا لهم في الدنيا: يا رب، «هذا الذي كان يدعو لنا». فيقبل الله شفاعتهم فيه، «فينجو» من النار ببركة تلك الأدعية المتبادلة.
الدعاء الواقعي والأسباب الطبيعية
من القواعد المهمة في الدعاء أن يكون واقعيًا، منسجمًا مع سنن الله في الكون. فالله «أبى إلا أن يجري الأمور بأسبابها»؛ فلا يصحّ أن يجلس الإنسان في بيته، تاركًا طلب الرزق والعمل، ثم يقول: «اللهم ارزقني» وهو لا يسعى ولا يتحرّك.
تذكر الروايات أربعة أصناف «لا تُستجاب لهم دعوة» مهما تلطفوا في الأوقات والأماكن:
من يطلب الرزق وهو قادر على العمل، لكنه يركن إلى الكسل والدعة. يُقال له: «ألم آمرك بالطلب؟»
من له زوجة في يده أمر طلاقها، وقد بلغ الخلاف فيها غاية السوء، فيدعو عليها بلا أن يتخذ قرارًا واضحًا، مع أن أمرها بيده شرعًا: «ألم أجعل أمرها بيدك؟».
من كان له مال فأفسده بالتبذير والإسراف، ثم دعا الله أن ينقذه من الفقر، فيُذكَّر: «ألم آمرك بالاقتصاد؟».
من أقرض مالًا «بغير بيّنة» أو وثيقة، ثم ضاع ماله، فراح يدعو على من أخذ ماله؛ فيقال له: «ألم آمرك بالشهادة؟» فلماذا لم توثّق حقّك؟
المغزى أن الدعاء لا يُستجاب إذا كان هروبًا من تحمّل المسؤولية، أو محاولة لتغيير سنن الله من غير أخذ بالأسباب.
باب الملهوفين ودعاؤهم
تلفت المحاضرة النظر إلى معنى دقيق: أن دعاء الملهوف مستجاب بخصوصية. الملهوف قد لا يكون صائمًا أو في ليلة قدر، لكن في قلبه من الاضطرار والانكسار ما يجعل دعاءه أقرب إلى الإجابة.
من هنا كان من المستحسن أن يبحث المؤمن عن المحتاجين والمرضى، لا ليُرضي إحساسًا عابرًا، بل ليطلب منهم الدعاء له بعد قضاء حاجتهم؛ فمن فرّج كربة عن مؤمن، ثم قال له: “لا تنسَنا من الدعاء”، جمع بين الصدقة العملية والدعاء الصاعد من قلب ملهوف.
وتزداد هذه البركة إذا كان الملهوف يتيمًا، أو فقيرًا، أو من ذرية النبي وأهل بيته؛ فالإحسان إلى هؤلاء يفتح باب السماء، ويورث العبد دعاءً صادقًا من قلوب مكسورة.
خاتمة: بين ضيافة الله وفرج الإمام
إنّ المؤمن الحق لا يحتاج إلى من يذكّره بالدعاء للإمام المهدي عجل الله فرجه؛ فمن رقّ قلبه في شهر رمضان، وجرت دموعه في السحر، ودعا لإخوانه، كان من الطبيعي أن يختم دعاءه بطلب الفرج لإمامه، رجاء أن يدعو له الإمام في المقابل.
هكذا يصبح شهر رمضان موسمًا متكاملًا:
ضيافة، وتوبة، ودعاء، وأخذ بالأسباب، وخدمة للملهوفين، ودعاء للغير، وارتباط حيّ بالإمام الحيّ في هذا الزمان.

