وإنا لنحن نحيي ونميت – د. الشيخ أحمد الوائلي رحمه الله
في هذه الآية: ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ﴾ تتكرّر مع نظائرها في القرآن بأسلوب تأكيدي ملفت: دخول «إنّ»، و«اللام»، وضمير الفصل «نحن»، وتكرار الفاعل: ﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾.
هذا التأكيد الشديد لأن الناس في هذه الثلاثة – الإحياء، والإماتة، والوراثة – يعيشون أوهامًا راسخة؛ القرآن يريد تصحيحها، وإرجاع البصر إلى الفاعل الحقيقي لا إلى الأسباب الظاهرية.
وهم الحياة من «السبب الطبيعي»
كثيرون يتصورون أن الحياة جاءت إليهم من «الطبيعة» أو فقط من الأب والأم؛ يقول: تزوّج والداي فأنجباني، وكأنهما هما الواهبان للحياة. حتى بعض الأدباء صاغ هذا الوهم شعرًا، فيرى أن الأم والأب «سبّبا مشكلته» بإخراجه إلى دنيا كلها عناء، وأن الوجود عليه بلاء.
لكن لو كانت الحياة بيد الأسباب الطبيعية وحدها، لقدر الناس أن يمنحوها متى شاؤوا، ويمنعوا الموت عن أحبابهم؛ بينما الواقع أن أعظم مستشفيات العالم، بكل أجهزتها وخبرائها، لا تملك أن تمنح مريضًا لحظة زائدة على ما قضاه الله. الأسباب الطبيعية معدّات، أما «كن فيكون» فهي من الله.
وهم الموت من يد البشر
الإنسان قد يقتل، فيقطع حبل اتصال الروح بالجسد، فيتحمّل الجرم والعقوبة الدنيوية والأخروية؛ لكن «سالب الحياة» الحقيقي هو الله. قد يوجد أشخاص لا تصل إليهم جيوش الأرض، لكن فيروسًا لا يُرى بالعين، إذا شاء الله، يهدم كبرياءهم في لحظة؛ ليُفهمهم حجمهم الحقيقي.
من كون الإحياء والإماتة بيد الله، يُفهَم أن عنده إحاطة وإحصاء؛ فهو يحيي عن علم، ويميت عن علم، ويكتب ما نقدّم وآثار ما بعدنا.
«ونحن الوارثون»: من الوارث الحقيقي؟
الناس يظنون أن الوارث هو الابن أو الأقارب؛ لكن كل وارثٍ يتحوّل عاجلًا أو آجلًا إلى مُورِّث، تُنتزع منه النعمة؛ فلا تبقى الملكية دائمًا لأحد. المال ينتقل من يد إلى يد، والتمتّع به مؤقت. الوارث الذي «لا يُنتزع منه شيء» هو الله، يرث الأرض ومن عليها، ثم يبعث الخلائق وينادي: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه لنفسه: ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾.
مع ذلك، جعل الله للورثة نصيبًا؛ لأن العلاقة بين الأب والابن ليست كالعلاقة بالغريب. الابن ثمرة فؤاد أبيه، وخلاصة مزاجه الجسدي والعقلي، والبصمات التي تركها الأبوان في جسده ونفسه وعقله. من الإنصاف أن يَرِث نتاجهم المادي كما ورث نتاجهم الجسدي والعقلي. ثم من جهة اجتماعية: الابن يمثّل الأسرة بعد أبيه، ويراد له أن يعيش كريماً، يمدّ امتداد أبيه في المعروف والسمعة الطيبة؛ فالميراث هنا تمكين لامتداد الخير، لا مجرّد هبة عمياء.
أما الاعتراض الماركسي بأن الميراث «هبة عمياء» تخلق تفاوتًا، فهو يُغفل أن تفاوت المواهب الأخرى (الجمال، القوّة، الذكاء) لا يمكن تسويته؛ علماء الاجتماع والنفس حاولوا تعديل نسب الذكاء بالبيئة والتربية فلم ينجحوا إلا بهوامش ضئيلة جدًّا، وبقي الأساس وراثيًا. فإذا لم يمكن تسوية المواهب العقليّة والجسدية، فكيف يُستنكر أن يورث الأب ابنه ماله، وهو أولى الناس به عرفًا وعقلاً؟
فدك: تطبيق عمليّ لمعادلة الميراث والنحلة
في ضوء ذلك تُفهم ملحمة فدك. نزل قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ﴾، فسأل النبي جبرئيل: ألعامّة ذوي القربى أم لخصوص؟ فقال: لفاطمة، لأن خديجة جاءت بكل مالها إلى بيتك، وأنفقته في سبيل الله، وآن أوان مكافأتها في ذريتها. فأعطى النبي فدكًا لفاطمة نحلةً، وبقيت تتصرف فيها ستّ سنوات في حياته، والفقهاء متفقون على أن «اليد أمارة الملكية».
بعد وفاته صلى الله عليه وآله، أُخذت منها فدك، وقيل لها: الأنبياء لا يورثون؛ فاحتجّت أولاً بأنها «عطية من أبيها» قبل أن تحتج بالميراث؛ فإن رُدّت دعوى النحلة، فهي كبنتٍ كسائر الناس تشملك عمومات القرآن في الميراث: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾، ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾. الأنبياء عندهم ما يُورّث – ولو عصاً أو ثوبًا – والأصل هو المبدأ لا مقدار المال.
احتجاج السيدة الزهراء عليها السلام:
هل خُصّصتم بآيةٍ أخرجت أبي منها؟ أم تقولون أهل ملّتين لا يتوارثان، وأنا وأبي من ملّة واحدة؟ أم أنكم أعلم بعموم القرآن وخصوصه من أبي وابن عمي؟ فإن كان القرآن عامًّا في الميراث، فلا يخصصه حديث آحاديّ يرويه رجلٌ واحد، بخلاف القاعدة الأصولية عندهم أنفسهم.
القضيّة معقّدة فقهيًا وسياسيًا، لكن لبّها واحد:
إما أن تكون فاطمة صادقة – وهي بضعة النبي، يرضيه ما يرضيها ويغضبه ما يغضبها – أو أن يُتَّهم لسانها؛ ولا مسلم يؤمن بالله ورسوله يجرؤ على الثانية.
آلام السيدة الزهراء عليها السلام:
بعد أن سُدّت في وجهها أبواب «النحلة»، و«الميراث»، و«سهم ذوي القربى»، رجعت السيدة الزهراء إلى بيتها، تحمل جرحًا مزدوجًا: جرح فقد أبيها، وجرح الشعور بأنها حوربت في حقّها. صارت تلتمس كلّ ما يذكّرها بعهد رسول الله: مجالسُه، صوته، أصحابه.
حين عاد بلال من الشام ورجع إلى المدينة بعد رؤيا رأى فيها النبي يقول له: «جفوتنا يا بلال»، بعثت إليه فاطمة برسوليها الحسن والحسين تطلب منه أن يؤذّن كما كان يؤذّن لأبيها. صعد بلال المئذنة، فلما قال: «الله أكبر»، ارتجّت المدينة بالذكريات؛ ولما قال: «أشهد أن لا إله إلا الله»، قالت فاطمة: شهد بها دمي ولحمي وعظمي؛ ولما قال: «أشهد أن محمداً رسول الله»، شهقت وسقطت مغشيًا عليها من شدّة الحنين.
هذا الوجه الإنساني للزهراء – إلى جانب موقفها العقدي في فدك – يجمع بين:
علمها بحدود الله وأدلّة الميراث، وعمق إحساسها بفقد أبيها ومظلومية بيتها، وصدق توجهها إلى الله بالمضطرّة التي يتلو المؤمن معها: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾.
في الختام:
من يتأمل هذه اللوحة كاملة – من «وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون» إلى ملحمة فدك وزفرة فاطمة – يرى خيطًا واحدًا:
المالك الحقيقي، والوارث الحقيقي، والمُحيي والمميت هو الله؛ وما سواه أسباب ووسائط. والعدل في الدنيا لا يكتمل، لكن الله وعد بيومٍ تُردُّ فيه المظالم، ويُسأل فيه الجميع: «لِمَنِ الملْكُ اليوْم؟»، فيُجاب: «لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ».

