قناة المعارف الفضائية | سراج العلم والفضيلة
فهرس: فاز الصائمون – الجزء الثالث
آخر برامج من: الشيخ حسين الكوراني (ره)
آخر برامج في قناة المعارف الفضائية

التوبة الحقيقية في ليالي القدر – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله

ليالي القدر ليست فقط مناسبة لقراءة الأدعية وإطالة القيام، بل هي بالدرجة الأولى فرصة للتوبة الصادقة. والسؤال الجوهري الذي نطرحه:

هل نريد حقًا أن نتوب؟ أم أننا نُحيي ليالي القدر سنوات طويلة بلا توبة حقيقية، نكرّر «أستغفر الله وأتوب إليه» بألسنتنا، وقلوبنا على حالها؟

 

من أين نبدأ بالتوبة الحقيقية؟:

عدم الرضا عن النفس… مدخل كل توبة

أول شرط للتوبة أن لا يكون الإنسان راضيًا عن نفسه؛ فمن يرى نفسه كاملًا أو شبه كامل، كيف سيعترف بالخطأ؟ وكيف سيندم؟ وكيف يقبل أن يغيّر؟

من يقرأ في الأدعية أوصافًا مثل: «العبد الحقير، الفقير، المسكين، المستكين»، ثم في داخله يقول: هذا الأسلوب مبالغ فيه، أو لا ينطبق عليّ، فهو في الحقيقة يقطع طريق التوبة عن قلبه؛ لأن مقدار الرضا عن النفس يساوي مقدار عدم الاعتراف بالخطأ، وعدم تحقّق الندم، وعدم قبول التغيير.

كما أن من يأتي ليعتذر إليك من خطئه، لا تقبل اعتذاره إلا إذا بان عليك أنه جاء معتذرًا حقًا، كذلك نحن مع الله: المطلوب أن يظهر على القلب والوجه والسلوك أننا جئنا لنتوب بصدق، لا مجرّد ترداد كلمات محفوظة.

ومن علامات عدم الرضا عن النفس أن ينعكس ذلك على التعامل مع الناس؛ فالمؤمن الذي يرى نفسه عبدًا لله لا يتفرعن على زوجته، ولا الزوجة على زوجها، ولا يستعلي على الفقراء والبسطاء، لأنه يرى نفسه وخصمه وكل الناس «عيال الله»، فيتعامل معهم على أساس العبودية لله، لا على أساس الكِبر والهيمنة.

 

التوبة الشاملة… لا تترك ذنبًا مستثنى

التوبة الحقيقية لا تكون بانتقاء ذنب وترك آخر؛ كما لو أن شخصًا أساء إليك عشر مرّات، ثم اعتذر لك عن تسع، وترك واحدة هي عندك أعظم من الجميع؛ هل تعتبره تائبًا؟ بالطبع لا.

كذلك مع الله؛ من تاب من بعض الذنوب، وترك ذنبًا واحدًا لا يقترب منه، لاسيما إن كان بينه وبين شخص معيّن حساسية أو عداوة، فيرفض أن يعترف بخطئه معه أو أن يستغفر له، فهو لم يحقّق التوبة الكاملة.

من أبرز الأمثلة:

من يؤذي الآخرين، ثم يقرّر أن «يتوب عن الأذى»، لكن أسلوبه في الكلام يبقى قاسيًا، ولسانه جافًا، وتعاملُه مع الضعفاء والعمّال والباعة فيه استعلاء وازدراء، يرى الفقير «معترًا» يستحق الشفقة لا الاحترام؛ هذا لم يتُب بعد من روح الأذى والكِبر، وإن كرّر الاستغفار ألف مرة.

من يرتكب الغيبة، وهو يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله حذّر منها تحذيرًا شديدًا، حتى شبّه من يُقدِم عليها بمن يُلقي نفسه في نار جهنم، فهذا لا يكون عاقلًا ما دام يصرّ على هذا الفعل.

التوبة إذن يجب أن تكون شاملة وعامّة، لا تستثني ذنبًا ولا عادة سيئة، خاصة الذنوب التي نعتاد تبريرها كالغضب، والتكبر، والغلظة في اللسان.

 

الغضب… امتحان الصبر وحقيقة الإنسانية

الغضب من أكثر ما نُبتلى به، ومع ذلك كثيرون يبرّرونه بقولهم: «كل الناس تعصّب، طبعنا هكذا»؛ كأنهم يشرّعون لأنفسهم البقاء على ما هم عليه.

التوبة من الغضب تعني أن نقرّر التحكّم في ردّات أفعالنا؛ لأننا عبيد، ولسنا خالقين. ردة فعلي يجب أن تكون محكومة برضا الله، لا بهواي ولا بنفسيتي اللحظية.

ردة الفعل الحيوانية – الصراخ، الشتم، الضرب، الانفعال الأعمى – لا تعبّر عن إنسانٍ عاقل، بل عن إنسان عطّل عقله واتبع غرائزه؛ فالحيوان يرفس وينبح، والإنسان إذا اكتفى بالصراخ والسبّ لم يضف شيئًا من عقله على غرائزه.

الذي يجعل ردة فعلنا غير إنسانية هو الاستسلام لثورة الغضب، والإحساس بالحق في «مسح الأرض بالطرف الآخر» كما تقول المحاضرة؛ كأننا أوكلنا لأنفسنا حق الانتقام بدل تحكيم شرع الله وحدوده.

من يقول: «لا أستطيع السيطرة على غضبي» يسيء الظن بالله قبل أن يسيء بنفسه؛ لأن الله لا يكلّف نفسًا إلا وسعها، وما دام أمرنا بكظم الغيظ والصبر، فهذا يعني أن القدرة موجودة، لكنها تحتاج إلى تدريب واستعانة به سبحانه.

الموحّد الصادق يعلم أن «لا حول ولا قوة إلا بالله»، فيسأله أن يفيض عليه صبرًا: «ربنا أفرغ علينا صبرًا»، ويكرّر الطلب ولا ييأس؛ فإذا رأى الله صدقه في مجاهدة نفسه، أعانه، وفتح له أبواب التوفيق.

 

التوبة النصوح… تعريف عملي

سُئل أمير المؤمنين علي عليه السلام عن التوبة النصوح، فقال:

هي «ندم بالقلب، واستغفار باللسان، والقصد على ألا يعود»؛ أي قرار عملي بعدم التكرار.

إذًا: قلب نادم حقًا، يرى قبح الذنب وخطره، لسان يستغفر بصدق، لا ببرود، وعزم حقيقي على ترك المعصية، مع برنامج عملي للمجاهدة.

ومن هنا تأتي أهمية التدريب؛ أن نقرّر في هذه الليالي أن ندرّب أنفسنا تدريجيًا على الصلاة الصحيحة، وضبط اللسان، وكظم الغيظ، وتغيير العادات السيئة، لا أن نكتفي بندم لحظي ثم نعود لما كنّا عليه بعد أيام.

 

التوبة من العقائد والقناعات الباطلة:

التوبة لا تتعلّق فقط بالأعمال الظاهرة، بل أيضًا بـالعقائد والقناعات التي يحملها القلب؛ فهناك قناعات باطلة تمنع التوبة الحقيقية، منها:

الشرك الخفيّ: عبادة الهوى، أو الاعتقاد بأن القيمة الحقيقية للإنسان في المال: «معك قرش تسوى قرش»، بدل معيار «إن أكرمكم عند الله أتقاكم». هذه عقيدة باطلة إذا استقرّت في القلب، أفسدت النظرة إلى الناس وإلى الله.

الجرأة على الله في محضره: حين يصرخ الإنسان بالآخرين، ويهينهم، ويغتابهم، وهو يعلم أن الله يراه ويسمعه، فهذا يعكس جرأة خطيرة على الله، كأنه لا يوقّر جلاله.

تقديم هوى النفس على هوا الله: المؤمن الحقيقي يؤثِر ما يحبّه الله على ما تشتهيه نفسه، فيملأ الله قلبه نورًا ويقينًا؛ أما من يقدّم هواه على أمر الله، فهو داخل في دائرة الشرك الخفيّ.

من لا يعرف كيف يتوب من هذه القناعات، فليقل بصدق: «يا رب، أريد أن أتوب ولا أعرف كيف؛ خذ بيدي، من لي غيرك؟»؛ فهذا تسليم صادق لله، وبداية توبة فكرية وقلبية.

 

أنواع الأعمال السيئة وكيف نتوب منها

تقسّم المحاضرة الأعمال السيئة إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

أعمال نرتكبها باختيارنا المباشر

مثل الكذب، الغيبة، النظر المحرّم… هذه تحتاج إلى توبة مباشرة وقرار واضح بتركها.

أعمال نحرم بسببها من توفيقاتٍ معيّنة

كمن يكذب باختياره، فيُحرَم بسبب ذلك من صلاة الليل، ثم يحرم بسبب ترك صلاة الليل من الرزق؛ فهنا الحرمان من التوفيق (صلاة الليل والرزق) أثر غير مباشر لذنب اختياري (الكذب).

أعمال نُستَزَلّ إليها بفعل الشيطان مع وجود اختيارنا

فالشيطان يوسوس ويغوي، لكن القرار الأخير لنا نحن؛ خطورة الأمر أن يحتلّ الشيطان فكر الإنسان حتى يتكلّم ويفكّر بلسان الشيطان لا بلسان العقل والدين، كما احتلّ العدوّ القدس وسمّاها «أورشليم». من هنا ضرورة مواجهة إغواءات الشيطان وعدم الاستسلام لها.

هذه المواجهة تحتاج إلى:

علم بالحلال والحرام (فقهًا)، و«محاسبة النفس» ومراقبتها ومشارطتها كما يقول علماء الأخلاق؛ أي أن يحاسب الإنسان نفسه يوميًا، ويراقب دوافعه ونيّاته.

 

كيف نحصّن التوبة بعد ليلة القدر؟

التوبة ليست موقفًا عابرًا في ليلة، بل مسار يحتاج إلى تحصين، حتى لا نعود سريعًا إلى ما كنّا عليه. تشير المحاضرة إلى آية مفتاح: «يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة».

من هنا ركنان أساسيان:

التدرّب على الصبر

خاصة في ردّات الأفعال: أن نحاول التحكّم بها مرة بعد مرة، ولو فشلنا مرّات عديدة؛ لا نتراجع، بل نواصل التدريب بإصرار. إذا رأى الله منّا الجدّية، أعاننا وأكرمنا بنور الصبر.

الالتزام بصلاة الصبح في وقتها

ولو بأبسط صورة، من دون نوافل ومستحبات؛ المهم أن تُصلّى عند الفجر. تُنقل كلمة عن العارف الرباني الشيخ بهجت قدس سره: أن من حافظ على صلاة الصبح في وقتها، تيسّر له حفظ سائر الصلوات في أوّل أوقاتها.

الذي يبدأ يومه بالفجر، وباستحضار العهد مع الله، يكون أقرب إلى الثبات على التوبة، وأبعد عن الغفلة التي تجرّ إلى المعصية من جديد.

 

خاتمة

ليالي القدر فرصة نادرة، لكن قيمتها الحقيقية ليست في طول السهر وحده، ولا في عدد الصفحات المقروءة من الدعاء، بل في تغيّر القلب:

أن نخرج من الإعجاب بالنفس إلى عدم الرضا عنها، ومن التوبة التجزيئية إلى التوبة الشاملة، ومن الانفعال الأعمى إلى الصبر وضبط الغضب، ومن العقائد الباطلة إلى تسليم صادق لله، ومن الاستسلام للشيطان إلى مواجهة وساوسه بالعلم والمحاسبة والذكر.

من دخل هذه الليالي بهذه النيّة، وسعى في اليوم التالي لتطبيق ما عاهد الله عليه، كان أرجى أن يخرج من رمضان بقلب جديد، وتوبة حقيقية، وطريق أوضح نحو وجه الله الكريم.

 

مواضيع مشابهة

موائد الصائمين – 26 – تجديد التوبة

دعاء السجاد (ع) وكان من دعائه (ع) في ذكر التوبة وطلبها