قناة المعارف الفضائية | سراج العلم والفضيلة
فهرس: فاز الصائمون – الجزء الثالث
آخر برامج من: الشيخ حسين الكوراني (ره)
آخر برامج في قناة المعارف الفضائية

أهم الأعمال فيما بقي من شهر رمضان – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله

شهر رمضان يقترب من نهايته، وتضيق الأيام والليالي، لكن أبواب الرحمة تبقى مفتوحة حتى اللحظة الأخيرة. في هذه المحاضرة يتناول الخطيب معنيين عظيمين ينبغي التركيز عليهما في ما تبقّى من الشهر: الاستغفار، وكثرة الصلاة على النبي وآله، مع ربط ذلك بأجواء مصاب أمير المؤمنين عليه السلام في العشر الأواخر.

 

الاستغفار… كلمة قصيرة ومعنى واسع

الاستغفار ليس صيغة واحدة جامدة؛ يكفي أحيانًا أن يقول الإنسان: «أستغفر الله» أو «أستغفر الله ربي وأتوب إليه»، من غير تكلّف للصيغ الطويلة، إلا في الموارد التي ورد فيها نصّ خاص كاستغفار شعبان أو ليالي القدر.

لكن الخطر أن يتحوّل الاستغفار إلى عادة باردة، تُقال بلسان لا خشوع فيه ولا توجّه، وربما بنبرة مستفِزّة تشبه من يقول «السلام عليكم» بطريقة تجرح أكثر مما تُحيّي. عندئذٍ يفقد الاستغفار روحه، ويكاد يصبح شكلًا بلا مضمون.

الاستغفار الحقيقي هو الذي يصحبه: خضوع وخشوع، تواضع وحياء من الله، ونيّة صادقة للتوبة وترك الذنب.

فكل «أستغفر الله» ينبغي أن تعني في القلب: اللهم اغفر لي، وإني أتوب إليك مما فعلت.

 

آثار الاستغفار في الدنيا قبل الآخرة

لا نحتاج إلى كثير بحث لنعرف عظمة الاستغفار؛ يكفي أن نتأمّل في آيات سورة نوح عليه السلام: (استغفروا ربكم إنه كان غفّارًا * يرسل السماء عليكم مدرارًا * ويمددكم بأموال وبنين…).

فحسب الآية الكريمة الاستغفار سبب لنزول المطر؛ كما في صلاة الاستسقاء عندما يُرفع الاستغفار في زمن الجَدْب والقحط.

وهو سبب لزيادة الرزق المالي: «ويمددكم بأموال»، حتى قيل إن الاستغفار الصادق أقوى في تحصيل المال من «ماكينات طبع المال»، لأن الله هو الرزّاق.

وهو سبب لـالذرية والإنجاب: «وبنين»؛ فيفتح أبواب الرحمة على من حُرم الولد أو تأخّر رزقه.

وإن خاف الإنسان أن يكون استغفاره غير مقبول، يمكنه أن يضيف إليه الصلاة على محمد وآل محمد، لأن الصلاة المقبولة تجُرّ معها ما قُرن بها من دعاء، ثم يهدي ثواب عمله إلى أحد أهل البيت عليهم السلام؛ فيجمع بين الاستغفار، والصلاة، و«إهداء الثواب»، فتكون هذه كلّها أسبابًا لرجاء القبول.

 

أنواع الاستغفار… حياء ورجاء وإنابة

لأجل أن لا يتحوّل الاستغفار إلى تكرار ذهني فارغ، من النافع أن نستحضر أنواعه ومعانيه أثناء الذكر. تذكر المحاضرة دعاءً عظيمًا يُقرأ بعد زيارة الإمام الرضا عليه السلام، يتضمن فقرات غنيّة عن أنواع الاستغفار:

منها قول الداعي: “ربّي إني أستغفرك استغفار حياء”؛ أي استغفار من يستحي أن يواجه ربّه بما اقترف.

“وأستغفرك استغفار رجاء”؛ مع رجاء في رحمة الله وسعة مغفرته.

“وأستغفرك استغفار إنابة”؛ إنابة العبد الآبق الذي يريد أن يرجع إلى ربّه.

“وأستغفرك استغفار رغبة”؛ رغبة في رضا الله والاستقامة على طاعته.

“وأستغفرك استغفار رهبة”؛ خوفًا وهيبة من عدل الله وعقابه.

“وأستغفرك استغفار طاعة، واستغفار إيمان، واستغفار إقرار**”؛ أي مع إقرارٍ واعٍ بالذنب والقصور.

“وأستغفرك استغفار إخلاص، واستغفار تقوى، واستغفار توكّل، واستغفار ذلّة”؛ اعترافًا بالعجز والافتقار الكامل إليه سبحانه.

“وأستغفرك استغفار عاملٍ لك، هاربٍ منك إليك”؛ يهرب من معصيته إليك، ومن غضبك إلى رضاك.

حين يردّد المؤمن «أستغفر الله» وهو يستحضر بعض هذه المعاني، يتحوّل استغفاره من ذكر شفوي إلى حركة قلبية عميقة، فيصبح – بتعبير أمير المؤمنين عليه السلام – «مِمحاةً تمحو الذنوب»، لأنه مترافق مع التفحّص لجوانب النفس والاعتراف بضعفها.

 

الصلاة على محمد وآل محمد… عطر الروح وثِقل الميزان

بعد التأكيد على القرآن، وطول السجود، والاستغفار، ننتقل إلى كثرة الصلاة على النبي وآله في أواخر رمضان. وتؤكّد أن مهما ظننا أننا نعرف فضل هذا الذكر، فنحن في الحقيقة لا نعرف شيئًا من عمقه.

أعظم الأذكار هو «لا إله إلا الله»، وأعظم شرحٍ لها هو: «اللهم صلِّ على محمد وآل محمد»؛ إذ بها نعترف أن طريق التوحيد الحق يمرّ عبر محمّد وآله عليهم السلام.

تُروى عن النبي صلى الله عليه وآله أحاديث كثيرة في فضل الصلاة عليه، ومنها أن من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل همّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب؛ وكذلك وردت روايات كثيرة – لا يكاد أحد يحيط بها كلّها – في فضل الصلاة على النبي وآله، وفي ثقلها في الميزان.

 

عطر الصلاة على النبي وآله

تذكر المحاضرة قصة عالم كبر سنّه وفقد بصره، ومع ذلك كان إذا دخل عليه شخص معيّن قال مباشرة: «جاء فلان». فسُئل عن سرّ معرفته، فتبين أن هذا الرجل مواظب جدًّا على الصلاة على محمد وآل محمد، وأن لهذه المواظبة عطرًا خاصًا يعرفه هذا العالم بقلبه، حتى مع فقدان بصره.

في الروايات: «تَعَطَّروا بالاستغفار لا تفضحكم روائح الذنوب»، فكما أن للذنوب روائح كريهة في عالم الغيب، كذلك للذكر – خاصّة الاستغفار والصلاة على النبي وآله – عطرٌ روحي ينعكس على صاحبِه قبولًا ونورًا.

 

لماذا الصلاة على النبي وآله أعظم من الاستغفار وحده؟

الاستغفار توجه مباشر إلى الله بطلب المغفرة. أما حين نقول: «اللهم صلّ على محمد وآل محمد»، فنحن نطلب من الله أن يرفع درجة النبي وآله ويزيدهم كرامة، وكلما زادت كرامتهم زادت شفاعتهم ووجاهتهم عنده، ثم نلتمس من الله أن يجعلنا على طريقهم.

بهذا تصبح الصلاة على النبي وآله: استغفارًا متوسّلًا، مقرونًا بذكر الله وذكر رسوله وأهل بيته، وعملًا نضع به – رمزيًا – أعمالهم في كفة ميزاننا يوم القيامة، فلا يكون هناك ما هو أثقل من ذلك.

فقد ورد في خطبة النبي صلى الله عليه وآله عن شهر رمضان: «ومن أكثر فيه من الصلاة عليَّ ثقل الله ميزانه يوم تخفّ الموازين»؛ فالصلاة على النبي وآله أمان من خفّة الميزان، وباب عظيم للنجاة من الهلاك.

 

العشر الأواخر… وقت التفرّغ للعبادة

بعد ذكر هذه الأركان الأربعة: قراءة القرآن، طول السجود، كثرة الاستغفار، وكثرة الصلاة على النبي وآله؛

نطرح سؤالًا عمليًا:

هل يبقى بعد ذلك مجال حقيقي للانشغال بالثانويات في ما تبقّى من رمضان؟

تُذكّر بسُنّة الاعتكاف، ولماذا استُحبّ أن يكون عشرة أيام، وبسيرة النبي صلى الله عليه وآله في العشر الأواخر؛ حيث كان «يطوي فراشه» فلا ينام كما في سائر الليالي، مع أن نومه أصلًا قليل، يقسّمه بين الصلاة والراحة.

اليوم – كما تشير المحاضرة بأسف – قد تتحول العشر الأواخر عند بعض الناس إلى وقت للأفلام والموسيقى والقليل من القرآن، بينما الأصل أن تكون للعكوف على العبادة، وكثرة السجود، وكثرة الاستغفار، وكثرة الصلاة على محمد وآله.

 

الخوف من انقضاء الشهر مع بقيّة ذنب

تختم المحاضرة بفقرة مؤثرة من دعاء وداع شهر رمضان:

(وهذه أيام شهر رمضان قد انقضت، ولياليه قد تصرّمت، وقد صرتُ يا إلهي إلى ما أنت أعلم به من الخلق أجمعين، أعوذ بجلال وجهك الكريم أن ينقضي عني شهر رمضان، أو يطلع الفجر من ليلتي هذه، ولك قبلي تبعة أو ذنب تعذّبني عليه).

السؤال هنا:

هل نخاف حقًا من ربنا «يومًا عبوسًا قمطريرًا»؟

هل صدّقنا مواعيد الله ووعيده كما نقلها إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله؟

إن كنّا نؤمن حقًا، فعلينا أن نرتعد من فكرة خروج رمضان وفي أعناقنا تبعة لم نتب منها، أو ذنب لم نطلب غفرانه بصدق.

 

استثمار الباقي من الشهر تحت ظلّ مصاب أمير المؤمنين

تربط المحاضرة ما تبقّى من شهر رمضان بمصيبة أمير المؤمنين عليه السلام وأهل بيته؛ فكل لحظة من لحظات هذا الشهر ينبغي أن يعيشها المؤمن وهو يتقلب على أعتاب غربة عليّ، وغربة الحسن والحسين وزينب وأبي الفضل وسائر أولاده عليهم السلام.

يُروى عن الإمام الباقر عليه السلام أن أهل البيت باتوا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله «بشرّ ليلة»، وكذلك كانت الليالي التي أعقبت شهادة أمير المؤمنين عليهم ثقيلة، لذا كان من لطف الله أن جعل شهادة الإمام في هذا الشهر، لتكون حرارة المصاب عاملًا مضاعِفًا في تليين القلوب وقبول التوبة.

من يستحضر هذه المصائب، ويقرن دموعه على الإمام بدعائه واستغفاره، يرجى له أن ينال من فيوضات هذا الشهر ما لم يكن ليناله بدون هذا الارتباط العاطفي والروحي بأهل البيت عليهم السلام.

 

خاتمة

الاستغفار وكثرة الصلاة على محمد وآل محمد في أواخر رمضان ليست أعمالًا إضافية، بل هي قلب البرنامج العبادي:

استغفار حياء ورجاء وإنابة ورغبة وخشية.

صلاة على النبي وآله تعطر الروح، وتثقل الميزان، وتربطنا بسلسلة النور التي توصل إلى الله.

مع قرآن يتلى، وسجود يطول، وقلوب متعلّقة بمصيبة أمير المؤمنين وأهل البيت.

إذا أحسنت استثمار ما بقي من الشهر في هذه المعاني، خرجت من رمضان بروح أنقى، وقلبٍ أوثق بالله، وطريقٍ أقرب إلى محمّد وآل محمّد عليهم السلام.

 

مواضيع مشابهة

شهر الرحمة -3- التقوى في رمضان

كيف نجعله خير رمضان مر علينا ؟