الأعمال العبادية في الأشهر الثلاث – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله
الأشهر الثلاثة ـ رجب، شعبان، رمضان ـ ليست جزرًا متباعدة في العبادة، بل هي مسارٌ واحدٌ متدرّج، يبدأ بالتهيئة، ويمرّ بالتزكية، ويبلغ ذروة القرب في شهر الضيافة الإلهية. فمن لم يُحسن الدخول في رجب، لم يُتقن السير في شعبان، ومن لم يتأدّب في شعبان، عَسُر عليه أن يعيش حقيقة رمضان.
وفي هذا السياق، تأتي توجيهات العلماء العارفين لتُعيد ضبط البوصلة، وتكشف أن العبادة ليست كثرة أعمال، بل حضور قلب، وحسن توجّه، ومعرفة بمن نقصده وبمن نتوسل إليه.
أدب الضيف مع مضيفه:
يُنبّه النص إلى حقيقة دقيقة حين يقول: حديث كل ضيف مع صاحب ضيافته، فليس من الأدب أن يغادر الضيف مائدة مضيفه دون أن يلتفت إليه، أو أن يُنهي يومه دون مراجعة أو شكر أو عرض لما قدّم. وإذا كان الإنسان في شهر رمضان ضيفًا على الله جلّ جلاله، فإن أدب الضيافة يقتضي أن لا تنتهي الليلة دون وقفة قلبية صادقة.
فبعد فراغ الصائم من أعماله اليومية، من صلاة وصيام وذكر، لا ينبغي أن يطوي ليلته على الغفلة أو العادة، بل أن يقصد بقلبه خفيره وحاميه ومضيفه، ويعرض عليه عمله عرض من يعرف أنه ناقص، ويوقن أنه لا يُقبل إلا إذا أُخذ بيد العناية الإلهية.
الخفير والوسيط… فهمٌ توحيدي لا شرك فيه:
حين يتحدث النص عن الحامي والخفير، فهو لا يُخرج العبد عن توحيده، بل يُدخله في عمقه. إذ إن التوجّه إلى الله بالوسيلة التي جعلها الله بابًا إليه، هو عين الامتثال، لا خروج عنه. فالعبد هنا لا يعتمد على عمله، ولا يثق بجهده، بل يُقرّ ضمنًا بفقره وعجزه، ويطلب ممن جعله الله واسطة الفيض أن يُكمّل نقصه، ويُسلّم عمله تسليم أهل الإخلاص والأمان.
وهذا الفهم يُخرج العبادة من دائرة الاستحقاق إلى دائرة التفضّل، ويُحوّل الطاعة من معاملة إلى مناجاة.
وظيفة كل ليلة: تقديم الولاية قبل العمل
يضيف السيد تنبيهًا في غاية الأهمية: أن يبدأ العبد في كل دعاء، ويختم في كل عمل، بذكر من يعتقد أنه نائب الله في عباده وبلاده. وهذه ليست مسألة شكلية أو لفظية، بل تعبير عملي عن عقيدة الولاية، بوصفها امتدادًا للرعاية الإلهية في حياة العباد.
فالصائم لا يعيش وهم الاستقلال، بل يعلم أن طعامه، وشرابه، وأسباب قوته، بل وتوفيقه للعبادة نفسها، كلها تجري ضمن نظام إلهي له قيّم وحافظ. ومن هنا، فإن الدعاء للنائب الإلهي هو في حقيقته اعتراف بالمنة، وشكرٌ غير مباشر على ما أُفيض على العبد من توفيق ورفع منزلة.
الدعاء للإمام المهدي عليه السلام: قلب ليالي رمضان:
ومن أظهر مصاديق هذا التوجّه، الدعاء المأثور للإمام الحجة بن الحسن المهدي عليه السلام، الذي أكّدت الروايات على تكراره، ولا سيما في ليلة الثالث والعشرين، قائماً وقاعداً، وعلى كل حال، وفي الشهر كله، بل وفي الدهر كله متى حضر القلب.
وهذا الإلحاح في التكرار يكشف أن الدعاء ليس مجرد طلب، بل بناء علاقة دائمة، واستحضار لحضور الإمام في حياة المؤمن، لا بوصفه فكرة غيبية بعيدة، بل بوصفه وليًّا وحافظًا وقائدًا، تُرجى به النصرة، ويُطلب به ظهور الحق.
دولة كريمة… ذروة الطلب الرمضاني
يبلغ الدعاء ذروته حين ينتقل من الخاص إلى العام، ومن الفرد إلى الأمة، في طلب الدولة الكريمة التي يُعزّ بها الإسلام وأهله، ويُذلّ بها النفاق وأهله. وهنا يتكامل المعنى العبادي؛ فالصائم الحقيقي لا يطلب نجاته الفردية فقط، بل يحمل همّ الرسالة، ويجعل من رمضان موسمًا لتجديد العهد مع مشروع الحق الإلهي في الأرض.
فالدعاء بالتمكين ليس ترفًا روحيًا، بل هو تعبير عن وعي تاريخي، واستعداد أخلاقي، وتخلٍّ عن الأنانية الضيقة.
خاتمة: الختم الليلي… ميزان القبول:
إن ختم الليلة في شهر رمضان ليس نهاية عمل، بل بداية عرض. عرض العبد فقره، ونقصه، ورجاءه، وتوسّله، وولايته. فمن أحسن الختم، رُجي له القبول، ومن داوم على هذا الأدب، تهيّأ لأن يكون من أهل القرب، لا بكثرة صيامه، بل بصدق انكساره بين يدي الله.
وهكذا تتحول ليالي رمضان من عادة متكررة، إلى محطات تسليم، ومن أعمال محفوظة، إلى عبادات مقبولة، إذا خُتمت بالولاية، وسُقيت بالإخلاص، وعُرضت على باب الرحمة.

