قناة المعارف الفضائية | سراج العلم والفضيلة
فهرس: مرآة التاريخ
آخر برامج من: الشيخ حسين الكوراني (ره)
آخر برامج في قناة المعارف الفضائية

البقيع… الذاكرة المهدمة للتاريخ الإسلامي – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله

في الثامن من شهر شوّال هُدمت قبور البقيع وقبابها، تلك التي كانت تضم أضرحة أئمة أهل البيت عليهم السلام، وعددًا كبيرًا من كبار الصحابة وأهل بيت النبي، في واقعة لا تزال جراحها مفتوحة في وجدان الأمة.

الهدم الحالي ليس الأول من نوعه؛ فقد تعرّض البقيع لهدمين كبيرين: الأول قبل نحو مئة سنة من الهدم الأخير، ثم أعادت الدولة العثمانية بناء القباب، قبل أن يُعاد هدمها للمرة الثانية قبل نحو أربعة وتسعين عامًا، وهو الهدم المستمرّ حتى اليوم.

 

موقع البقيع وتكوينه

البقيع هو المقبرة التاريخية الكبرى للمدينة المنورة، تقع في الجهة المواجهة للحرم النبوي الشريف. كانت تفصل بينه وبين المسجد النبوي قديماً أحياء سكنية صغيرة متلاصقة، من أشهرها «محلة بني هاشم»، التي ضُمّت لاحقًا إلى توسعة الحرم.

في هذه المحلة كانت توجد بيوت تاريخية، منها: منزل عبد الله بن عباس، ومنزل الإمام الحسن عليه السلام، ومنزل الإمام الصادق عليه السلام، وبيت يُعرف بـ«منزل أمير المؤمنين» عليه السلام، كان مفتوحًا للزوار وتسكنه عائلة يمنية.

كان بين المسجد والبقيع شارع، وعلى جانبه غرفة صغيرة مرتفعة، تُعرَف بأنها قبر إسماعيل بن الإمام الصادق عليه السلام، وكانت خارج سور البقيع، ثم نُقل القبر إلى داخل البقيع بعد إزالة محلة بني هاشم ضمن أعمال التوسعة.

 

تسمية “بقيع الغرقد”

الاسم الكامل القديم للمكان هو “بقيع الغرقد”.

الغرقد هو شجر العوسج، وهو شجر كثير الشوك، يشبه البلّان، وله قابلية على الارتفاع والنموّ، حتى يتحوّل إلى شجر كثيف.

كانت المنطقة الممتدة من محلة بني هاشم حتى ما يقارب آخر البقيع اليوم مليئة بهذا الشجر، لذلك سُمّيت «بقيع الغرقد». لم تكن أرضًا للدفن في أصلها، بل أرضًا مغطّاة بالعوسج، ثم تحوّلت إلى مقبرة للمسلمين بأمر من النبي صلى الله عليه وآله، كما سيأتي.

في آخر البقيع، من الجهة الأخرى، كانت هناك مقبرة لليهود منفصلة عن البقيع، يُرجَّح أن اسمها كان «حش كوكب». وظلّت مستقلة حتى دُفن فيها عثمان، الذي قُتل في جوّ من الغليان الشعبي، فطُرحت جثته في هذه المقبرة، ثم أُلحقت المقبرة لاحقًا ببقيع الغرقد، فأصبح الاسم يشمل المنطقتين معًا.

 

بداية الدفن في البقيع

تذكر المصادر أن الدفن في البقيع بدأ في السنة الثالثة للهجرة. وأوّل من دُفن فيه الصحابي الجليل عثمان بن مظعون، الذي مدحه أمير المؤمنين عليه السلام مدحًا عظيمًا، وسَمّى أحد أبنائه باسمه تكريمًا له.

عندما توفّي عثمان بن مظعون: قبّله رسول الله صلى الله عليه وآله، وبكاه، وأمر أن يُدفن في البقيع، ولحد له النبي بيده الشريفة، فوُضع أول قبر في البقيع بيد رسول الله نفسه.

ورد أيضًا أن المسلمين كانوا يبحثون عن موضع للمقبرة، فقال لهم النبي: «أُمرت بالبقيع»، أي أُمر من الله أن يكون البقيع مقبرة للمسلمين، فوُضعت علامة – حجر أو نصب – عند قبر عثمان، ليُدفَن عنده من يموت من أهل بيت النبي.

عندما توفّي إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وآله، قال: «الحقوه بالسلف الصالح عثمان بن مظعون»، فدُفن إلى جواره. ولمن يزور البقيع اليوم، إذا سُمح بالدخول، يرى من الباب طريقًا إلى اليمين، حيث تقع قبور الأئمة الأربعة، وإذا تقدّم قليلاً عن اليمين يجد قبر عثمان بن مظعون وبجانبه قبر إبراهيم بن رسول الله.

 

ملامح من سيرة عثمان بن مظعون

كان عثمان بن مظعون: من أوائل من أسلم، ومن أصحاب الهجرتين؛ هاجر إلى الحبشة مع جعفر الطيار، ثم هاجر إلى المدينة، شهد بدرًا، وكان شجاعًا مقدامًا، عُرف بأنّه “صوّام بالنهار، قوّام بالليل”.

يصفه أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة بعبارة مؤثّرة: «كان لي فيما مضى أخٌ…» والخطبة طويلة كلّها في الثناء على عثمان بن مظعون، ما يعكس منزلته الإيمانية العالية.

 

أبرز المدفونين في البقيع

يضمّ البقيع بين جنباته قبور عدد كبير من كبار الشخصيات الإسلامية، من أبرزهم:

الأئمة الأربعة عليهم السلام: الإمام الحسن المجتبى، الإمام علي بن الحسين زين العابدين، الإمام محمد الباقر، الإمام جعفر الصادق.

قبورهم متجاورة في جهة تشبه النصف الدائري إلى يمين الداخل من باب البقيع.

أهل بيت النبي وأقاربه: إبراهيم بن رسول الله من مارية القبطية، محمد بن الحنفية ابن أمير المؤمنين، العباس بن عبد المطلب، فاطمة بنت أسد (أم الإمام علي)، صفية وعَاتِكة عمّتا النبي، أم البنين فاطمة بنت حزام، والدة أبي الفضل العباس عليهم السلام.

قبور صفية وعاتكة وأم البنين متجاورة قرب الشباك المحاذي للمدخل الرئيسي للبقيع؛ إذا وقف الزائر على البرندة فوق الدرج، وجد خلف الشباك قبورهن.

زوجات النبي صلى الله عليه وآله: جميعهن مدفونات في البقيع، ما عدا السيدة خديجة عليها السلام، إذ توفّيت في مكة وقبرها معروف في «مقابر قريش» بمنطقة الحَجُون.

بنو هاشم وبعض الصحابة والتابعين: عقيل بن أبي طالب، عبد الله بن جعفر الطيار زوج السيدة زينب عليها السلام، المقداد بن الأسود، جابر بن عبد الله الأنصاري، جمع من شهداء أحد وشهداء وقعة الحَرّة وغيرهم.

كما نُقل كثير من شهداء أُحد إلى البقيع، وبقي حمزة سيد الشهداء وعدد من الشهداء مدفونين في موقع المعركة نفسه، ومن الطريف المؤثّر قصة عمرو بن الجموح الذي كان أعرج، فاستأذن النبي في الجهاد وقال: «أرجو أن أطأ الجنة بعرجتي هذه»، فأُذن له واستُشهد، ولما أرادوا حمله إلى البقيع امتنعت الناقة عن السير باتجاه المدينة، فساروا به إلى جهة أُحد، فدُفن هناك مع حمزة، حيث أحبّ أن يدخل الجنة من ذلك الموضع.

 

وقعة الحَرّة… جرح المدينة المفتوح

من المدفونين في البقيع أيضًا شهداء وقعة الحَرّة؛ وهي من أبشع الجرائم في تاريخ المدينة.

“الحَرّة” اسم يُطلق على الأرض التي تكثر فيها الحصباء (الحصى)، وغالبًا ما تكون في مجرى السيول. على حدود المدينة، في هذه الحَرّة، وقعت المعركة التي قُتل فيها عدد كبير من أهل المدينة من الصحابة والتابعين على يد جيش يزيد بن معاوية، بقيادة المجرم مسلم بن عقبة.

أصل القصة أن وفدًا من أهل المدينة ذهب إلى الشام بعد شهادة الإمام الحسين عليه السلام، فرأوا يزيد يشرب الخمر ويلهو بالقرود، فعادوا إلى المدينة وأعلنوا سقوط شرعيته وخلع طاعته، وطردوا بني أمية من المدينة. اعتبر يزيد ذلك ضربة للنظام الأموي، فبعث جيشًا كبيرًا، موصيًا قائده مسلم بن عقبة بأن لا يرحم.

كان مسلم بن عقبة مريضًا، ومع ذلك أصرّ على قيادة الجيش، فحُمل على سرير حتى وصل المدينة. هناك ارتكب مذبحة عظيمة: قُتل صحابة وأبرار، واستُبيحت المدينة ثلاثة أيام؛ يُروى أن الجنود كانوا يدخلون البيوت، فإذا وجدوا امرأة ترضع طفلها أخذوا الرضيع وضربوا رأسه بالحائط، ووقعت فظائع أدّت بعد ذلك إلى ولادة ألف مولود في المدينة “لا يُعرف آباؤهم”.

كانت هذه الجريمة انتقامًا من المدينة التي احتضنت رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن الأنصار الذين ناصروه حين هاجر إليهم من مكة. حمل بنو أمية في قلوبهم حقدًا على الأوس والخزرج، فجاءت وقعة الحَرّة تفجيرًا لهذا الحقد الدفين.

 

خاتمة

البقيع ليس مجرّد مقبرة، بل مرآةٌ للتاريخ الإسلامي: فيه أوّل قبر حفره رسول الله بيده، وفيه أضرحة أئمة أهل البيت، وقبور زوجاته وأهل بيته وأصحابه، ومدافن شهداء المعارك المفصلية كأُحد والحَرّة.

هدم قبابه طمس لجزء كبير من الذاكرة الإسلامية، ومحاولة لقطع صلة المسلمين بجذورهم الروحية والتاريخية. ومع ذلك تبقى أسماء المدفونين فيه، والقصص المرتبطة بهم، شاهدة في القلوب على أنّ الأرض قد تُسطَّح وتُمحى معالمها، لكنّ المحبّة والوفاء لا تُمحى من صدور المؤمنين.

 

مواضيع مشابهة

نسائم شهر الله – 58 – مناقب الإمام الحسن المجتبى عليه السلام

زيارة أئمة البقيع أي الإمام المجتبى والسجاد والباقر والصادق (ع)