كيفية إحياء القلوب بأمير المؤمنين ع – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله
ليلة القدر ليست ليلة عابرة في عمر الإنسان، بل هي ليلة العمر؛ فيها تُقدَّر الأرزاق والآجال، وتُرفع الأعمال، وتُفتح أبواب الرحمة على أوسعها. وهي في هذا السياق تقترن بذكرى شهادة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وبغربته ودمه ومصابه، لتكون حرارة المصيبة سببًا في تليين القلوب وزيادة عدد المقبولين في هذه الليالي العظيمة.
سرّ الليالي الثلاث… تقدير وإبرام وإمضاء
تؤكد الروايات على أهمية إحياء ليالي التاسع عشر، والحادي والعشرين، والثالث والعشرين من شهر رمضان، فلكل واحدة منها دور في كتابة مصير الإنسان خلال السنة:
في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام: «التقدير في ليلة تسع عشرة، والإبرام في ليلة إحدى وعشرين، والإمضاء في ليلة ثلاث وعشرين».
تُشبَّه هذه المراحل بدراسة ملفّات طويلة على مراحل؛ في ليلة التاسع عشر يكون التقدير الأولي: حال العبد، رزقه، عافيته، توفيقاته، مغفرته.
وفي ليلة الحادي والعشرين يكون نوع من التثبيت والإبرام؛ ولكن يبقى المجال مفتوحًا لزيادة الخير أو تقليل الشر.
أما ليلة الثالث والعشرين فهي ليلة الإمضاء النهائي؛ حيث «تتنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر»، وتُسلَّم صحائف الأقدار إلى وليّ الله الأعظم الإمام صاحب العصر والزمان عليه السلام، ليجري التنفيذ على ما أذن الله به.
تتجلّى رحمة الله في أنه لم يجعل الإمضاء من أوّل ليلة، بل فسح المجال للعبد أن يجتهد في ثلاث ليالٍ متتالية، حتى «يزداد عدد الناجحين» وترتفع درجات من سبق له القبول.
ليلة الجهني وقصته
تُعرَف ليلة الثالث والعشرين أيضًا بـ«ليلة الجهني». يُروى أن عبد الرحمن بن أنيس الأنصاري، وكان من قبيلة جهينة، كان يسكن بعيدًا عن المدينة، وله غنم وحلال، فشقّ عليه أن يدخل إلى المدينة ثلاث ليالٍ متتابعة لإحياء ليالي القدر.
جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: إن منزلي بعيد، فمرني بليلة أدخل فيها، أي اختر لي ليلة واحدة تكون هي ليلة القدر لأحضرها. فقرّبه النبي صلى الله عليه وآله إليه «وسارّه»؛ همس في أذنه بما لم يسمعه أحد، حفاظًا على مصلحة الأمة ليبقوا مهتمّين بالليالي الثلاث جميعًا.
منذ ذلك الحين لاحظ المسلمون أن هذا الرجل لا يدخل المدينة إلا ليلة الثالث والعشرين، فاشتهرت بأنها ليلة الجهني، إشارة إلى ما سمعه من سرّ رسول الله صلى الله عليه وآله.
لكن مع هذا يبقى التوجيه واضحًا: العمل مطلوب في الليالي الثلاث؛ فمن لم يُوفّق في الأولى، يُوفّق في الثانية أو الثالثة، ومن وُفّق من الليلة الأولى زادت حسناته في الليالي التي تلي، حتى لعلّ هذه الحسنات تكفيه وتمده إلى رمضان القادم.
الغسل والأعمال… ولكن قبل كل شيء التوبة
تشير النصوص الفقهية إلى استحباب الغسل في هذه الليالي، بل في الليلة الثالثة والعشرين يُستحب غسلان: عند أوّل الليل وقبيل الفجر.
هذا الغسل ليس مجرّد نظافة ظاهرية، بل قد يكون بداية توبة حقيقية يغفر الله بها ما تقدّم من الذنوب، كما ورد في بعض الروايات في غسل أوائل الأشهر.
ومع كثرة ما ورد من أعمال عظيمة في هذه الليالي:
من الصلاة مئة ركعة، وقراءة «إنا أنزلناه» ألف مرة، وأنواع الأدعية والزيارات؛ تؤكد المحاضرة على حقيقة مهمّة:
قبل السؤال عن «أفضل دعاء» أو «أفضل صلاة» أو «أفضل ذكر»، هناك عمل واحد إذا تحقّق أعطى لبقية الأعمال معناها، وإذا لم يتحقّق بقي أثر بقية الأعمال ضعيفًا جدًا، وهو: التوبة الحقيقية.
التوبة الصادقة… من ماذا نتوب؟
التوبة ليست كلمة تُقال، بل هي مشروع تغيير شامل. ولكي تكون التوبة صادقة «نصوحًا لا غشّ فيها»، لا بدّ أن نعرف أوّلًا: ممّ نتوب؟
من يظنّ أن مشكلته محصورة مثلًا في «الغيبة» فقط، ويتوب من الغيبة، لكنه لا ينتبه إلى أنه:
يظلم الناس في أموالهم أو أعراضهم؛ أو يستخفّ بالصلاة ويؤخّرها ويؤديها بلا خشوع؛ أو يحبّ الدنيا والدنياويّات والشهوات أكثر من الله ورسوله والقرآن؛ فإن توبته تكون ناقصة، لأنه لم يشخّص جراح قلبه كلّها.
لخدمة هذا الهدف، اختارت المحاضرة أن تجعل حديث ليالي القدر هذا العام حول ملامح الشخصية المؤمنة الموالية لعلي عليه السلام؛ حتى يقيس كلّ واحدٍ نفسه على هذه الملامح، فيتوب من كل ما يُقصّره عن مستوى «موالي علي» الذي يريده الإمام.
ملامح الموالي الصادق لأمير المؤمنين عليه السلام
تُذكَر مجموعة من العلامات للشخصية المؤمنة الموالية، يمكن تلخيص بعضها كما يلي:
لا يظلم
«الموالي الحقيقي لعلي لا يمكن أن يظلم»، فإن وجد الإنسان في نفسه ظلمًا في القول أو الفعل أو الحكم، عليه أن يتوب من هذا الظلم إذا أراد أن يكون صادق الولاية.
لا يُقبِل على الدنيا التي طلّقها علي
عن أمير المؤمنين عليه السلام قال للدنيا: «غُرّي غيري»، فمن كان مُغرَمًا بالدنيا، متعلّقًا بزخارفها، مسكونًا بهمومها، بعيدًا عن همّ الآخرة، فقد نزل عن رتبة موالاة أمير المؤمنين، لأنه أحبّ ما كرِهه مولاه.
حبّ الله فوق كل حبّ
من لوازم ولاية أمير المؤمنين أن يكون حبّ الله متقدّمًا على كل حبّ؛ على حبّ المال، والجاه، والوجهاء، والأشخاص، وكل شيء. من لم يجد في قلبه هذا التقدّم في الحبّ، فهو محتاج إلى توبة عميقة وإعادة ترتيب للأولويات.
رياضة النفس لا اتباع الهوى
علي عليه السلام يقول: «إنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الفزع». فالموالي الصادق لا يمكن أن يقضي حياته أسير الهوى: يصلي إذا «جاء على باله»، ويترك إذا لم يشأ، يحبّ ويكره بحسب المزاج، بل لا بد أن يكون من أهل مجاهدة النفس وترويضها.
خوف المعاد ودوام ذكر الموت
من علامات محبّي أمير المؤمنين عليه السلام «خوف المعاد»؛ فالإمام كثيرًا ما أكّد على ذكر الموت والآخرة. من يعيش كأن لا حساب ولا نار ولا جنة، مأمنًا من كل شيء، بعيدًا عن ذكر الموت، يعيش خللًا في هذا الركن الأساسي من الإيمان.
قصة «المجنون العاقل» وخوف الآخرة
تُروى قصة مؤثرة عن عالم يُدعى الشيخ عبد النبي العراقي، قيل له: إن في المقبرة رجلًا حفر قبرًا، ووقف فيه تحت الشمس في وسط النهار، لا يتكلّم مع أحد، يظنه الناس مجنونًا.
ذهب الشيخ إليه ليعظه، فوجده عاقلًا هادئًا، فقال له الرجل:
أنا لا أعرف من العلم شيئًا، لا أقرأ ولا أكتب، لكنني فهمت أمرين فقط من هذه الدنيا:
أن الله موجود، ويجب أن نرضيه،
وأننا راحلون لا محالة، ولا أدري هل الله راضٍ عني أم لا؛ فهذه الفكرتان أوصلتاني إلى هنا.
ثم قال له: الظاهر أنني لا أفهم شيئًا، لأنك عالم البلد ولا يبدو عليك شيء من هذا القلق والخوف! فاهتزّ الشيخ، وعاد إلى بيته واعتكف على العبادة، وقال: إنّ العاقل الحقيقي هو هذا الرجل، لا من يظنه الناس عالمًا بلا خوف.
أصحاب النبي… نموذج خوف المعاد والذكر
يصف الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله في نصّ بليغ، فيقول: «لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله، فما أرى أحدًا يشبههم؛ لقد كانوا يصبحون شُعثًا غُبرًا، قد باتوا سُجّدًا وقيامًا، يراوحون بين جباههم وخدودهم… ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم… إذا ذُكر الله هملت أعينهم حتى تبلّ جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفًا من العقاب ورجاء الثواب».
هذا النموذج يختلف كثيرًا عن الصورة «المدنيّة المزيّفة» التي يروّجها الغزو الثقافي؛ حيث يصبح المؤمن الحقيقي – الذي يبكي من خشية الله ويذكر الموت – متَّهمًا بالتشدّد أو «الجنون»، بينما تُعتبر حياة اللهو والغفلة والترف معيارًا للتحضّر!
دوام ذكر الله… علامة الإيمان لا التعقيد
من صفات حزب الله الذين مدحهم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: أنهم «أسهر الخوف من المعاد عيونهم، وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم، وهمهمت بذكر ربهم شفاههم، وتقشّعت بطول استغفارهم ذنوبهم؛ أولئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون».
الموالي الصادق لأمير المؤمنين عليه السلام لا يرى في ذكر الله الكثير شيئًا معيبًا أو معقّدًا، بل يراه شرفًا: «الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم». يربّي ثقافته على الذكر، ويقاوم ثقافة الاستهزاء بمن يكثر من الاستغفار والتسبيح.
القرآن الكريم يذمّ المنافقين بأنهم «لا يذكرون الله إلا قليلا»، فكيف بمن لا يذكر أصلًا؟ قلة الذكر علامة نفاق، وكثرة الذكر علامة إيمان حيّ.
خاتمة: كيف نستقبل ليلة القدر؟
ليلة القدر ليست فقط برنامج أدعية وصلوات، بل هي قبل كل شيء:
وقفة صدق مع النفس، نحدّد فيها من أي شيء نتوب.
مراجعة حقيقية: هل نحن على ملامح «المحب الموالي أمير المؤمنين» أم على خلافها؟
إحياء عمليّ لقلوبنا بخوف المعاد ودوام ذكر الله، لا بكثرة الانشغال بالمظاهر.
من دخل هذه الليلة وقلبه منكسر بين يدي الله، عازم على تغيير حقيقي، طالبًا أن يلحق بركب أولياء الله، راجيًا أن يكون من «حزب الله المفلحين»، فليبشر بفضل هذه الليلة التي «خير من ألف شهر»، لعلها تكون بداية عمر جديد في طاعة الله وولاية أوليائه.
مواضيع مشابهة
أسرار الصيام – 25 – على أعتاب شهادة أمير المؤمنين عليه السلام

