حب الجاه والشهرة من المهلكات العظيمة – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله
حبّ الجاه والشهرة من أخطر أبواب الشهوة الخفية، ومن أعظم المهلكات للقلب والآخرة. كثيرون يجاهدون أنفسهم في ترك الشهوات الظاهرة، لكنهم يُتركون لسرٍّ خفيّ يسري في أعماقهم: لذّة أن يكون لهم قدر في أعين الناس، وأن يُشار إليهم بالبنان، وأن تجري أسماؤهم على الألسن.
تعريف حب الجاه وحب الشهرة:
حبّ الجاه هو أن يحبّ الإنسان أن يكون له موقع إعجاب في قلوب الناس؛ أن يكون محترمًا، مُعظَّمًا، ذا مكانة وهيبة في نفوسهم.
أما حبّ الشهرة فهو أن يحبّ الإنسان اشتهار اسمه وانتشار صيته بين الناس، ولو في البلاد البعيدة التي يعلم أو يغلب على ظنه أنه لن يصلها يومًا.
قد يجتمع حبّ الجاه والشهرة في شخص واحد، وهذا هو الغالب؛ من أحبّ أن يكون عظيمًا في عيون الناس أحبّ غالبًا أن ينتشر ذكره بينهم. وقد يفترقان؛ فقد يكتفي إنسان جاهل أو محدود الهمّة أن يكون ذا جاهٍ في قرية نائية أو وسط محيطه الصغير، لا يهمّه أن يُعرَف في العالم، المهم أن يكون كبيرًا في عيون من حوله.
الجاه والشهرة… ممدوح ومذموم:
ليسا كلُّ جاهٍ ولا كلُّ شهرةٍ مذمومين. ينقسم كلٌّ منهما إلى ممدوحٍ ومذموم:
الجاه الممدوح: أن يطلب الإنسان الوجاهة عند الله، لا عند الناس. «اللهم اجعلني عندك وجيهًا بالحسين عليه السلام في الدنيا والآخرة»؛ أن يكون للعبد قدرٌ في الملأ الأعلى، بين الملائكة وأولياء الله، لا في أسواق الناس ومجالسهم.
الشهرة الممدوحة: أن يشتهر العبد في الملأ الأعلى، وأن يرفع الله ذكره في قلوب أوليائه، كما قال تعالى عن عيسى: «وجيها في الدنيا والآخرة»، وعن موسى: «وكان عند الله وجيهًا»، وكما قال لنبيه: «ورفعنا لك ذكرك».
المذموم من الجاه والشهرة: أن يطلبهما العبد عند الناس؛ أن يسعى بقلبه وعمله ليحصل على مكانة في قلوب الخلق، أو لينتشر اسمه في الآفاق، فيكون همّه رضا الناس لا رضا رب الناس.
المعيار الدقيق هنا كلمة «الطلب»:
من جاءه الجاه أو الشهرة من غير طلبٍ منه، وكان سعيه كلّه لوجه الله، فلا حرج عليه فيما وهبه الله؛ «إن الله إذا أحبّ عبدًا حبّبه إلى خلقه». أما من طلب المنزلة عند الناس، واشتغل قلبه بتحصيلها، فقد دخل منطقة الخطر.
نماذج من الجاه والشهرة الممدوحين:
القرآن يمدح الوجاهة عند الله:
«إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيهًا في الدنيا والآخرة»؛ فهذه وجاهة نابعة من عبوديته الخالصة.
«وكان عند الله وجيهًا» في وصف موسى عليه السلام؛ جاهٌ أساسه القرب من الله لا التصفيق البشري.
وفي الحديث: «الجاه أحد الرفدين»؛ أي أن العبد إذا رزقه الله جاهًا عند خلقه واستعمله في نصرة المظلومين وإغاثة الملهوفين، كان له بذلك رصيدٌ عظيم عند الله، والله يسأله عن جاهه كما يسأله عن ماله: «رزقتك جاهًا، فهل أعنت به مظلومًا أو أغثت به ملهوفًا؟».
وفي الشهرة الممدوحة:
«إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وُدًّا»؛ أي محبة في قلوب عباده المؤمنين، و«واجعل لي لسان صدقٍ في الآخرين» كما دعا إبراهيم عليه السلام؛ أن يُذكَر بخيرٍ ووفاء عبر الأجيال.
وفي الحديث: «من أقبل على الله بقلبه جعل الله قلوب العباد منقادة إليه بالود والرحمة، وكان الله إليه بكلّ خيرٍ أسرع»؛ هذه شهرة تأتي من الله، لا من تسوّل نظرات الناس.
خطورة الجاه والشهرة عند الناس:
الآية الجامعة في هذا الباب:
«تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا، والعاقبة للمتقين». العلوّ في الأرض هدف أهل الجاه والشهرة؛ من طلب أن يكون فوق الناس في مقاييسهم، لا في ميزان التقوى.
في الحديث: «بحسب المرء من الشرّ – إلا من عصمه الله – أن يُشار إليه بالأصابع في دينه ودنياه»؛ يكفي الإنسان من الشر أن يصبح مشهورًا بين الناس، مُشارًا إليه، إلا من عصمه الله، وهم القليل النادر.
الشهرة هنا ليست هديةً بريئة؛ بل امتحانٌ عسير، قلّ من ينجو منه. من أحبّها وطلبها لنفسه كان غالبًا من الهالكين، لأنه يُصبِح عبدًا لها، يستميت في المحافظة عليها، ويغضب إذا مُسّت، ويرضى إذا زيد فيها، فيُصبح قلبه بين أيدي الناس، لا بين يدي الله.
في المناجاة التي أوحى الله فيها إلى موسى عليه السلام:
«لا تغبطنّ أحدًا برضى الناس عنه حتى تعلم أن الله راضٍ عنه، ولا تغبطنّ مخلوقًا بطاعة الناس له، فإن طاعة الناس له واتباعهم إيّاه على غير الحق هلاكٌ له ولمن اتّبعه»؛ قد يكون لإنسانٍ جاه كبير، والناس تطيعه، لكنه عند الله ممقوت، وطاعته على باطل سبب هلاكٍ له ولأتباعه.
قاعدة الشيخ النراقي في خطورة حب الجاه والشهرة:
يقول العارف الفقيه الشيخ النراقي في «جامع السعادات»:
«اعلم أن حبّ الجاه والشهرة من المهلكات العظيمة، وطالبهما طالبُ الآفات الدنيوية والأخروية».
طالب الجاه والشهرة يطلب لنفسه:
همًّا وضيقًا في الدنيا؛ لأن قلبه يصبح معلّقًا بنظرات الناس وكلماتهم، قلقًا على مكانته، خائفًا على صورته في عيونهم.
وعذابًا شديدًا في الآخرة؛ لأنه لم يحقّق «إياك نعبد»، بل عبد الناس من حيث لا يشعر، فجعل رضاهم ميزانًا خفيًّا لأعماله.
يحذّر النراقي قائلًا:
«ومن اشتهر اسمه وانتشر صيته لا تكاد تسلم دنياه وعقباه، إلا من شهره الله لنشر دينه من غير تكلّفٍ منه لطلب الشهرة». هؤلاء نادرون، كمن رفع الله ذكره لخدمة الحق، لا لمصلحته الشخصية.
ثم يضيف: «وقد ورد في ذمّهما – حبّ الجاه والشهرة – ما لا يمكن إحصاؤه من الآيات والأخبار»؛ هذا وحده كافٍ ليدقّ ناقوس الخطر في القلب.
لمحة عن دقّة الحساب… حتى في شراك النعل:
في شرح قوله تعالى: «تلك الدار الآخرة…»، ينقل عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال:
«إن الرجل ليعجب بشِراك نعله فيدخل في هذه الآية»؛ يكفي أن يُعجَب الإنسان بتفصيل صغير من زينة الدنيا – ساعة، ثوب، سيارة، حذاء – لا لأن نعم الله أعجبته، بل لأن نفسه تعلّقت بمنظرها في أعين الناس، حتى يدخل تحت عنوان «يريد علواً في الأرض».
كم من إنسان يحمّل نفسه الديون من أجل ثوبٍ أو مظهرٍ أو منصب، ليُرى به أمام الناس؛ هذه كلّها أشكال من العلوّ الزائف، ومن عبودية نظرات الخلق.
العلاقة العميقة بين حب الجاه والصلاة:
{مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.
هذا العموم – كما يبيّن الشيخ النراقي – يتناول حبّ الجاه أيضًا؛ لأن الجاه أعظم لذّة من لذّات الدنيا، وأكبر زينة من زينتها، فمن جعل هدفه الأوّل في الدنيا هو الجاه والعلوّ بين الناس انطبق عليه مدلول الآية.
هنا يظهر أثر هذا الداء في الصلاة:
من قضى عمره متعلّقًا بالناس، مرعوبًا من صورتهم، فرِحًا بمدحهم، كيف يستطيع فجأة في الصلاة أن يتوجّه بقلبه إلى الله وحده؟ القلب الذي تشرّب حبّ الخلق لا يجتمع فيه حضور كامل مع الخالق.
لذلك يضيع الخشوع، ويطير الذهن في الصلاة مع «طائر الخيال»، يصعد التلال، وينزل الأودية، ويجول في الأسواق والمناصب، لأن القلب تعوّد الانشغال بغير الله، فكيف يصفو في دقائق معدودات؟
خاتمة
حبّ الجاه والشهرة ليس مجرّد ميلٍ طبيعيّ، بل شهوة خفيةٌ مهلكة: تسرق من العبد صفاء عبادته، وتجعله عبدًا لعيون الناس بدل أن يكون عبدًا لله، وتُثقِل قلبه بالهمّ في الدنيا، وتهدّد مصيره في الآخرة.
مواضيع مشابهة
محطات تربوية -27- آفة التكبر بالمال والجاه

