وصية الإمام الصادق ع لعنوان البصري – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله
في أجواء الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام، إمام الهدى وأستاذ البشرية، تتجلّى حقيقةٌ أساسية في طريق المعرفة: أن العلم الذي يقرّب إلى الله ليس رصف معلومات، بل نورٌ يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده.
الإمام الصادق… أستاذ البشرية وتجدد البعثة
الإمام الصادق عليه السلام من أعظم أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله؛ عظمته امتدادٌ للعظمة المحمدية، فلا يُفصَل الحديث عن فضله عن الحديث عن فضل النبي، فلهم ما ثبت له صلى الله عليه وآله إلا النبوة، وهو سيد الأولين والآخرين وأشرف الأنبياء والأولياء.
مع الإمام الصادق عليه السلام تجددت البعثة النبوية في بعدها العلمي؛ إذ أتيح له ما لم يُتح لغيره من الأئمة من فرصة نشر العلم، حتى بلغ عدد الثقات من الرواة عنه أربعة آلاف رجل.
كثير من المذاهب الإسلامية الكبرى تبلور خطابها في أواخر عصره، وأئمتها يعترفون برجوعهم إلى «الصادقين»؛ الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام. بل إن أثره امتد إلى أوروبا عبر تلميذه جابر بن حيان، الذي عُدَّ من رواد العلوم التجريبية هناك، فصار الإمام بحق أستاذ البشرية في الدين والعلم والتزكية.
من جملة ما ورثته الأمة عنه مواعظه في الزهد والبعد الروحي ومنهج تزكية النفس، ومن النفائس في هذا الباب وصيته المعروفة لـ«عنوان البصري».
عنوان البصري… الباحث عن طريق تزكية النفس
عنوان البصري رجل حمل همّ تهذيب نفسه؛ لم يرضَ بالاكتفاء بسماع العلم من هذا وذاك، بل كان يسأل: كيف أطمئن أنني على الطريق المستقيم؟ ما البرنامج الذي يقرّبني من التقوى ورضا الله؟
أخذ عن مالك بن أنس وغيره، لكنه بقي يشعر بعطشٍ روحي، يسمع كثيرًا ولا يجد في قلبه ما يطفئ نار الطلب؛ حتى سمع بقدوم الإمام الصادق عليه السلام إلى المدينة، فجاءه يطلب العلم والعمل معًا.
في أول الأمر اعتذر له الإمام قائلًا – بمعنى الكلام –: أنا رجلٌ مطلوب، مراقَب، ولي أوراد في الليل والنهار، فخذ العلم عن مالك. خرج عنوان كئيبًا، ثم عاد إلى الحرم النبوي يناجي ربه ويتوسل بالنبي، حتى هيأ الله له لقاءً آخر بالإمام، ففاضت تلك الوصية العميقة.
العلم نورٌ لا يُنال بكثرة التعلّم وحدها
من أهم ما جاء في تلك الوصية قول الإمام الصادق عليه السلام لعنوان البصري:
«ليس العلم بالتعلّم، إنما هو نورٌ يقع في قلب من يريد الله تبارك وتعالى أن يهديه».
العالم أداة، يفتح لك باب الفهم، يضيء لك المصباح، لكن العمل الحقيقي في داخلك أنت:
إن أخذت العلم ولم تعمل به، ولم تغيّر ما بنفسك، فإن العلم يتحول إلى حجّةٍ عليك، لا إلى وسيلة نجاة.
كم من إنسان يحسن الكلام عن الإسلام والآخرة، لكن سلوكه في واقعه سلوك ماديّ، ثقافته العملية ثقافة من لا يفكر بالله، مشدودٌ إلى المال، يقدّم الدنيا على الأخوة وصلة الرحم، سريع الغضب، بطيء الرضا، قاسٍ في تعامله مع أهله، يتعامل مع زوجته تعاملًا فرعونيًا وهو يظن أنه يُحسن صنعًا.
هذا النموذج لم تنفعه كثرة الكتب ولا كثرة الأساتذة؛ مشكلته ليست في عدم وجود «مرشدٍ خاص»، بل في أنه لم يلتزم ببرنامج تزكية النفس، ولم يرَ الخلل في نفسه، بل في غيره. هذه من أكبر حيل الشيطان: أن يُقنع الإنسان أن العيب في «البرنامج» أو «الشيخ» وليس في قلبه.
بداية الطريق: حقيقة العبودية
يقول الإمام الصادق عليه السلام لعنوان:
«فإن أردت العلم، فاطلب أولًا في نفسك حقيقة العبودية».
فما دام الإنسان: يشعر بالتفرعن والعلوّ، يعتاد العناد، يرى نفسه فوق النقد، فإن الطريق إلى الله مسدودٌ أمامه، وإن جلس بين يدي أكبر العلماء.
والعبودية الحقّة تبدأ من: الإقرار بأن الله هو الخالق المدبِّر، وأنني عبدٌ مخلوق، لا سيّد، وأن واجبي أن ألتزم بما يأمر به سيدي، وأجتنب ما ينهى عنه.
وهذه العبودية لا تجتمع مع: العجب بالنفس، ولا التكبر، ولا الغلظة، ولا التعامل المتعالي مع الناس.
فقد سُئل الإمام الصادق عليه السلام عن حقيقة العبودية فقال:
«ألا يرى العبد لنفسه فيما خوَّله الله ملكًا؛ لأن العبيد لا يكون لهم ملك، يرون المال مال الله يضعونه حيث أمرهم الله به».
«وألا يُدبّر العبد لنفسه تدبيرًا»؛ بل يُفوِّض التدبير إلى مدبّره سبحانه.
«وأن يكون جملة اشتغاله فيما أمره تعالى به ونهاه عنه».
من تحققت فيه هذه الثلاث: هان عليه الإنفاق في سبيل الله، وهانت عليه مصائب الدنيا، وانشغل بالأوامر والنواهي عن المراء والمباهاة مع الناس، فهانت عليه الدنيا والشيطان والخلق.
كيف يزكو العلم؟
يقول الإمام عليه السلام: «واطلب العلم باستعماله، فإن العلم يزكو بالعمل، كما يزكو المال بالإنفاق».
فالعلم الذي لا يعمل به صاحبه: لا ينمو، ولا ينير القلب، وقد يتحوّل إلى ظلمات من العجب والرياء.
أما العلم الذي يُستعمل في طاعة الله، ويُنشَر بين الناس بإخلاص، فهو الذي يتكاثر نوره، وينتقل من مرحلة المعلومات إلى مرحلة التحوّل القلبي.
ثم يختم الإمام:
«واستفهِمِ اللهَ يُفهِمْكَ»؛ اطلب الفهم من الله، وكن صادقًا في دعائك له، فإنه قادر على أن يفتح لك من أبواب المعارف ما لا يفتحه لك أعلم الخلق إن لم تُرد أنت الحقّ.
هذا لا ينفي الحاجة إلى الأستاذ في كل علم، لكنه ينسف التعلّق المرضي بفكرة «المرشد السحري»؛ فالأصل أن يبدأ العبد بمناجاة ربه، وبالاستفادة مما فتح الله له من كلمات القرآن وأحاديث المعصومين، والله أكرم من أن يترك من صدق في طلبه بلا هداية.
ميزان العلم: خشية الله
عن الإمام الصادق عليه السلام:
«الملوك حُكّامٌ على الناس، والعلم حاكمٌ عليهم».
في الإسلام، السلطان الحقيقي للعلم؛ الحاكم الذي يحقّ له أن يفتي ويقود، هو الذي بلغ من العلم ما يؤهّله للحكم، فصار فقهيًّا خبيرًا بشرع الله، لا مجرّد حامل لقب.
ثم يضع الإمام ميزانًا واضحًا:
«حسبُك من العلم أن تخشى الله»؛ إن وُجدت الخشية، وُجد العلم النافع.
«وحسبك من الجهل أن تُعجب بعلمك»؛ إن ظهر العجب، فذلك عين الجهل.
كم من إنسان يكتب سطرًا بليغًا، أو يلقي كلمة موفقة، فيدخل الشيطان من هذا الباب، فيُذهب بنور علمه بعُجبٍ خفيّ، فيتحوّل ما كان نورًا إلى ظلمات لا يخرج منها إلا باستغفار صادق وتواضع حقيقي.
خاتمة
العلم في منطق أهل البيت عليهم السلام: نورٌ، لا زخرفةً عقلية، عبوديةٌ، لا استعلاءً على الناس، خشيةٌ، لا إعجابًا بالنفس، عملٌ، لا تراكم معلومات.
من أراد أن يكون من أهل هذا العلم: فليبدأ من قلبه: يطهّره من العناد والكبر وحب الذات، وليطلب حقيقة العبودية، وليستعمل ما تعلّم في الطاعة، وليدعُ الله أن يفهمه ويهديه، وليجعل خشية الله ميزانًا دائمًا لعلمه.

