قناة المعارف الفضائية | سراج العلم والفضيلة
فهرس: المنبر العميد
آخر برامج من: الدكتور الشيخ أحمد الوائلي (ره)
آخر برامج في قناة المعارف الفضائية

سر خلود الحسين ع – د. الشيخ أحمد الوائلي رحمه الله

في كل عام، وفي مثل هذه الليلة الكبيرة، يتردّد اسم الإمام الحسين عليه السلام في أرجاء الأرض؛ في البلدان الشيعية، وفي البلدان السنية، وفي البيئات الإسلامية عمومًا، بل حتى في أوساط لا تُحسب مباشرةً على «شيعة الحسين» بالمعنى المذهبي. «ما من بلد فيه جماعة من المسلمين أو جبهة إسلامية، إلا والإمام الحسين يدوي هذه الليلة في أرجائه».

هذا الحضور الكاسح، رغم مرور القرون، ورغم كثرة المحاولات لطمس ذكر الإمام الحسين عليه السلام وإبعاده عن ساحة الوعي، يفرض سؤالًا حتميًّا: ما سرّ هذا الخلود؟

 

أولًا: الحسين ع امتداد لرسالات الأنبياء

إرادة الله في تخليد الرسالات: الله تعالى شاء أن تبقى رسالات الأنبياء حيّة لا تموت؛ لأنها مرتبطة بالحياة نفسها. القرآن يلخّص وظيفة هذه الرسالات بقوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.

وآية أخرى تقول: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؛ فمهمّة الرسل إحياء البشر، ورسالات الأنبياء جاءت لتقف بوجه:

الظلم والاستغلال والاعتداء، حرمان الناس من لقمة الخبز والكرامة والحريةـ ولأنها تخاطب «حاجة الحياة»، فهي قابلة للبقاء؛ فالمجتمع يريد أن يحيا، ويريد العدالة والكرامة، وهذا بالضبط ما تحققه الرسالة الإلهية.

 

الإمام الحسين ع من جنس هذه الرسالات

حين يقول النبي صلى الله عليه وآله: «حسينٌ مني وأنا من حسين» فليس المقصود مجرّد العلاقة النسبية، فالابن معلوم أنه «من أبيه». بل «من» هنا لبيان الجنس؛ أي أن الإمام الحسين عليه السلام من سنخ رسالة النبي، وامتدادٌ لها.

النبي حامل رسالة، والإمام الحسين عليه السلام امتداد لهذه الرسالة، يقف في وجه جاهليةٍ عادت لتتجذّر على يد الأمويين، ويحاول أن يقتلع جذورها.

رسالة بهذا العمق، هي بذاتها بذرة خلود؛ لأنها «صوت السماء» في مواجهة مشاريع الظلم والاستغلال على الأرض.

 

ثانيًا: الحسين ع لم يخرج طلبًا لكرسي

هل كانت نهضته طلبًا للسلطة؟

قد يزعم زاعم أن الدافع وراء خروج الحسين عليه السلام هو «الكرسي» أو الحكم؛ لكن هذا الادعاء يسقط أمام أبسط تأمل:

أيّ كرسِيّ هذا الذي يتنافس عليه الحسين عليه السلام مع أناسٍ مثل مروان ويزيد، وقد رأينا ماذا فعل الكرسي بمن وصل إليه من مثلهم؟

آل البيت لم يكونوا أهل قصور وبذخ؛ عليٌّ عليه السلام رقّع مدرعته حتى استحيا من راقعها، وقال: «لقد رقعت مدراعتي حتى استحيت من راقعها»، وكان طعامه لقيمات من الشعير أو الحنطة، ويقول: «تعسًا لمن أدخل بطنه النار».

ثوبه قطيفة مزروعة بالرقع، وبيته كوخ من الحصر والبواري، وما خلّف من الدنيا عند خروجه من الخلافة إلا سبعمائة درهم جمعها من عطائه ليستأجر بها خادمًا لأهله.

هذا منهج النبي وعلي والحسن والحسين؛ فكيف يُعقَل أن يبذل الحسين عليه السلام نفسه وأهله طلبًا لكرسي خشبيّ يهتزّ اليوم تحت فلان وغدًا تحت فلان؟

إذن، لم يكن الهدف «سلطة سياسية» بحدّ ذاتها، بل إقامة العدل، وحمل رسالة السماء، وطرد مبادئ الجاهلية التي عادت إلى المجتمع.

 

ثالثًا: محاولات الأمويين لإلغاء الحسين ع… وفشلها

الأمويون جنّدوا كل أدواتهم لطمس ذكر الحسين عليه السلام ، لكنهم فشلوا، وهذه بعض «الصوارف» التي استخدموها:

فصل الحسين عليه السلام عن النبي نسبيًّا

روّجوا لفكرة أن الحسن والحسين عليهما السلام  «سبطان» لا «أبناء»، وأن ابن البنت لا يلحق بجده، بل ينسب إلى أبيه، ليُبعدوا الحسين عليه السلام عن كونه امتدادًا مباشرًا لرسول الله.

لكن النبي صلى الله عليه وآله سبق أن واجه هذا بقوله: «الحسن والحسين وَلَدَاي، كل بنيهم ينتمون إلى عصبتهم إلا بني فاطمة؛ فإني أنا أبوهم».

القمع الاقتصادي والأمني

حرموا شيعة علي والحسين من الرغيف والكساء، حتى بلغ الأمر بهم حدّ الجوع؛ ما اضطر الإمام الحسن عليه السلام في صلحه مع معاوية أن يشترط بندًا لصالح من قُتل آباؤهم مع علي في صفين؛ لأنهم «ماتوا من الجوع».

امتلأت السجون، وتُتُبِّعَ الموالون بالقتل والتشريد، مثل حجر بن عدي وأصحابه الذين ذُبحوا في مرج عذراء، وغيرهم ممّن لم يكن ذنبهم إلا الولاء لعليٍّ وأهل بيته.

تجنيد الأقلام لتشويه الثورة

سعى بعض الكتّاب والعلماء الرسميّين إلى تصوير الحسين عليه السلام بأنه «باغٍ على إمام زمانه» يزيد، وأنه خارجٌ على حاكم شرعي.

لكن واقع يزيد – بشهادة كبار علماء المسلمين من مختلف المذاهب – يكشف أنه لم يكن «إمامًا رشيدًا»، بل حاكمًا مشهورًا بالخمرة والمجون، حتى نقل شعره في مجالس الشراب.

هذا الاتهام للحسين شبيهٌ بمن يتّهم موسى بأنه «باغٍ على فرعون»، أو عيسى بأنه «باغٍ على اليهود»، أو إبراهيم بأنه «باغٍ على عبدة الأصنام».

الطعن في الشعائر الحسينية

قيل للناس: قولكم «يا حسين» استعانة بغير الله وشِرك، وجُعِلَت زيارة الحسين عليه السلام والمآتم والذبائح باسمه منكرًا.

رُوِّج لصيام يوم عاشوراء كصوم شكر لقتل الحسين عليه السلام، بدل كونه يوم حزن لرسول الله، مع أن النصوص تبيّن أنّ الأصل فيه صوم شكر على نجاة موسى، ثم نُسِخ فرضه بفرض صوم رمضان، وأما تحويله إلى يوم شماتة فهو نصبٌ وعداء، يناقض وجوب مودّة ذوي القربى.

في مواجهة ذلك، توضَّحت الحقيقة: المآتم على الشهيد جزء من سنّة النبي نفسه، فقد جلس رسول الله للعزاء في جعفر وعبد الله بن رواحة والشهداء، وتقبّل التعازي، وكذلك أقام عزاءً لحمزة سيد الشهداء.

كل هذه الصوارف – النَسَبية والمالية والقمعية والفكرية – لم تستطع أن تُبعد الحسين عليه السلام عن ساحة الوجدان الإسلامي. لماذا؟ لأن الحسين عليه السلام فكرة حقّ وعدل، والفكرة لا تُطفَأ بالقهر؛ بل يثبت التاريخ أن الاضطهاد يزيد الفكرة رسوخًا.

 

رابعًا: الحسين ع صوت المظلومين في الأرض

من أسرار خلود الإمام الحسين عليه السلام أنه صوت المعذّبين في الأرض.

الإمام حمل آلام المضطهدين وآمالهم:

شيعة علي عليه السلام وأهل العدل حُوربوا في أرزاقهم، مُنع عنهم الرغيف حتى بلغ الجوع بهم مبلغًا عظيمًا.

مُلِئت بهم السجون، ولاحقَتهم السلطة بكل ألوان العذاب والهوان.

الحسين عبّر عن هذه الآهات، وصار «ضمير المعذّبين»، فصوت كهذا لا يموت؛ لأن الظلم لا ينقطع من الأرض، ولكل مظلوم حاجة إلى من يرمز لآلامه وآماله.

لذلك رأينا تطوّر هذا الصوت:

من بيت شعر يبكي على الإمام الحسين: «مرّوا على جدث الحسين وقولوا لأعظُمه الزكيّة…»

إلى مراثي الشافعي وغيره من أعلام المسلمين، الذين وصفوا الإمام الحسينبأنه «قتيل بلا جُرم».

إلى ثورات عملية كـ«ثورة التوابين»، ورفع شعار «يا لثارات الحسين» في حركات متعدّدة.

حتى صرنا اليوم نرى في كل بلدٍ للمسلمين أثر، مأتمًا أو شعارًا أو دمعة لله، ترفع اسم الإمام الحسين وتحمل موقفه.

 

خامسًا: الحسين ع فكرة… والفكرة لا تُقتل بالسيف

الإمام الحسين عليه السلام ليس شخصًا فقط؛ هو فكرة وموقف، والفكرة لا تُقابَل بالجزار والسجن، بل بالفكر.

المتوكّل العباسي، مثلًا، بلغ في الاضطهاد حدًّا أن من يقف عشرة أشخاص عند قبر الإمام الحسين يُقتل تسعة ويُترك واحد؛ لكن هل مُحيَ ذكر الحسين عليه السلام؟ لم يستطع.

جُرِّبت كل أساليب المنع، ومع ذلك ازداد ذكر الحسين عليه السلام تجذرًا، لأنه «صوت الإسلام وصوت المعذّبين وفكرة حية».

إذا أراد أحدٌ أن يُبعد الحسين عليه السلام فعليه أن يبرهن – فكريًّا – أن الحسين عليه السلام لم يحمل رسالة السماء، وأن خصومه كانوا أقرب للإسلام منه، وهذا ما لا يستطيع أن يقوم عليه برهان صادق.

 

سادسًا: زينب ع واللسان المعبِّر عن الثورة

من مفاصل هذه الحلقة أيضًا الإشارة إلى دور السيدة زينب عليها السلام:

الإمام الحسين عليه السلام أخرج عياله، وعلى رأسهم زينب، ليُظهِر أن المرأة التي يربّيها الإسلام لا تقلّ خطرًا وأثرًا عن الرجل؛ بل هي «طاقة» إذا وضعت في أجواء الإيمان تفجّرت وغيّرت التاريخ.

زينب كانت «اللسان المعبِّر» عن الثورة بعد المذبحة؛ لولا خطبها ومواقفها في الكوفة والشام، لتمكّن الإعلام الأموي من تصوير الحسين وأهل بيته عليهم السلام كخوارج، ولأُطفئ نور الثورة في الوعي العام.

الإمام الحسين عليه السلام إذن لم يرد أن يترك الدم وحده يتكلّم؛ بل أراد دمًا ولسانًا، سيفًا ومنبرًا، شهيدًا ورسولًا يشرح دمه.

 

سابعًا: الحسين ع بين الدنيا والأبدية

في الأيام الأخيرة قبل الشهادة، كان الفاصل بين الحسين عليه السلام وبين الدنيا خليلة من الساعات؛ ومع ذلك:

لم يفارق القرآن؛ قام هو وأصحابه يصليّون كدويّ النحل، بين قائم وراكع وساجد.

لم ينسَ مسؤولية ما بعده؛ جمع زينب والنساء، وعزّاهن، ووضعهن أمام الحقيقة، وأوصاهن بالصبر على رعاية الأيتام والسبايا.

ثم وقف على رمال كربلاء يخاطب الدنيا:

«ألا وإنّ الدنيا قد أدبرت وتنكر معروفها، وذهبت حذّاء، ولم يبق منها إلا صُبابة كصُبابة الإناء وخَشيش عيش كالمَرعى الوبيل. ألا وإنّ الدعيّ بن الدعيّ قد ركز بين اثنتين: بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة… إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برمًا».

كان ينظر إلى الأبد، لا إلى لحظةٍ زائلة؛ فاختار موتًا يصنع حياة، وشهادةً تصنع خلودًا.

 

خاتمة: ماذا نصنع نحن أمام هذا الخلود؟

من كل ما تقدم يتبيّن أن: الإمام الحسين عليه السلام خُلد لأنه امتداد لرسالة السماء، وخُلد لأنه صوت المظلومين في كل عصر، وخُلد لأن فكرته أكبر من أن تُقتل بالسيف أو تُسجَن في السجون.

يبقى السؤال العملي لنا: ما موقعنا من هذا الخلود؟

هل نكتفي بذكرٍ بارد يمرّ «مرورًا عابرًا»، كما أراد أنصار الأمويين؟

أم نجعل من ذكر الحسين عليه السلام موقفًا أخلاقيًّا وسياسيًّا وعمليًّا: نقف مع المظلومين، نرفض الظلم، نلتزم بقيم العدل والكرامة التي استشهد من أجلها؟

 

مواضيع مشابهة

رحيق المجالس – 688 – قيادة الإمام الحسين الربانية

دروس الحركة الحسينية