قناة المعارف الفضائية | سراج العلم والفضيلة
فهرس: المنبر العميد
آخر برامج من: الدكتور الشيخ أحمد الوائلي (ره)
آخر برامج في قناة المعارف الفضائية

يشرون الحياة الدنيا بالآخرة – د. الشيخ أحمد الوائلي رحمه الله

تتأمّل هذه المحاضرة في آية من سورة النساء: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾، وتقرأها من خلال مدرسة الإمام الحسين عليه السلام.

تشرح الآية أن «يَشْرُون» هنا بمعنى «يبيعون»؛ أي يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، فيجعلون عمرهم وثمن دنياهم في مقابل رضا الله وخلودهم الأخروي.

 

أربعة أقسام من الناس بين الدنيا والآخرة

من لا يأخذ من الدنيا ولا من الآخرة شيئًا: يعيش ويموت بلا هدف، يخسر الدنيا والآخرة معًا، وهو «الخسران المبين».

من يأخذ الدنيا فقط: يخرج من الدنيا بما جمع، ولا نصيب له في الآخرة: «ما له في الآخرة من خلاق».

من يأخذ الآخرة فقط: لا يملك حظًا من متاع الدنيا، لكن له النصيب الأوفى في الآخرة.

من يأخذ الدنيا والآخرة معًا: ينتزع الدنيا انتزاعًا بالحلال، ويُعطى في الآخرة أجرًا عظيمًا؛ وهو من ندعو به في دعاء: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.

الإمام الحسين عليه السلام من هذا الصنف الرابع: أخذ من الدنيا أشرف ما فيها (الموقف والكرامة)، وأخذ من الآخرة كمال المجد والشهادة.

 

القتال في سبيل الله… لا في سبيل الغنيمة

الآية تقول: «فليقاتل في سبيل الله»، لا في سبيل توسعة الأسواق، أو الاستعمار، أو فرض الهيمنة والشهوة السياسية.

القتال المشروع هو الذي يهدف إلى: إقامة مجتمع آمن، خالٍ من الفجوات والظلم، صيانة كرامة الإنسان ودمه وعِرضه ورغيفه.

لهذا كان جهاد الأنبياء وأبناء الأنبياء «لإعلاء كلمة الله»، لا لفتح أسواق أو استعمار شعوب.

 

الآلية الأولى: الدعاء وتخليص النيّة

قبل السيف، تأتي النيّة.

الأنبياء وأولياء الله لا ينزلون ساحة القتال إلا بعد أن يستوثقوا أن قصدهم خالصٌ لوجه الله، لا انتقامًا للذات.

الإمام الحسين عليه السلام يدعو في ليلة عاشوراء: «إلهي كم من كربٍ يضعف فيه الفؤاد، وتقلّ فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، أنزلته بك، وشكوته إليك، رغبةً فيك عمّن سواك، ففرّجته وكشفته، فأنت وليّ كل نعمة، ومنتهى كل رغبة، وصاحب كل حسنة».

يستشهد من دعائه عليه السلام انقطاع كامل إلى الله، وتوكّل عليه في كشف الكرب، وتثبيت القلب.

ويُذكِّر بدعاء مقاتلي طالوت: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾، وقول النبي صلى الله عليه وآله يوم بدر: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبَد».

النتيجة: النصر الحقيقي ليس مجرد قتل العدو، بل رضا الله عن القصد والعمل.

 

عليّ عليه السلام… حين امتنع عن قتلٍ للهَوَى

يضرب مثالًا رفيعًا من نهج عليّ عليه السلام: كان من عادته إذا علا بسيفه أحدًا أن يصرعه بضربة واحدة، لكن حين واجه «مرحب» تأخّر؛ فلما رجع منتصرًا، سأله المسلمون عن سرّ التأخير.

قال: لما جلست على صدره شتمني وبصق في وجهي، فغضبت؛ فخشيت إن قتلتُه في تلك اللحظة أن يكون القتلُ انتقامًا لنفسي، لا لله؛ فانتظرت حتى ذهب الغضب، ثم قتلته «قتلًا خالصًا لوجه الله».

هذه المدرسة هي نفسها مدرسة الإمام الحسين عليه السلام: القتال لا يكون «في سبيل الله» إلا إذا نُزِعت منه الأغراض الشخصية والانتقامية.

فليست كلّ حالة يُقتل فيها إنسانٌ يكون القاتل هو المنتصر، أحيانًا يكون المقتول هو المنتصر، والقاتل هو المنهزم.

يضرب مثال يحيى بن زكريا عليه السلام: قتله الحاكم الطاغية «هيرودس»، لكن التاريخ والقرآن خَلّدا يحيى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾.

أما هيرودس فذهب اسمه وعرشه، وبقي يحيى حيًّا في الضمير والوحي.

كذلك حمزة سيد الشهداء: قتله وحشي، لكن الذي خُلِّد هو حمزة، الذي كان النبي يصلّي عليه سبعين صلاة، ويبشّر بأنه من سادة الشهداء.

إذن: ليس كل قاتل منصورًا، ولا كل مقتولٍ منهزمًا.

 

الآلية الثانية: الدعوة والإعلام قبل السيف

بعد الدعاء، تأتي الدعوة وشرح الموقف: الله أمر بالجهاد، لكنه أمر قبله بـ«بيان الأهداف» للناس؛ فالإعلام جزء من الجهاد.

الإمام الحسين عليه السلام قام بما يستطيع في الزمن القصير بين خروجه من مكة (يوم التروية، 8 ذي الحجة) وبين شهادته في العاشر من المحرّم: كتب الرسائل، وخطب وشرح أهدافه ودوافعه.

الوقت كان ضيّقًا جدًا، والمسافات تحتاج أشهرًا للانتقال، ومع ذلك أوصل صوته إلى ما أمكن.

ثم خاطب قائد الجيش مباشرة: عمر بن سعد. مواجهة عمر بن سعد: خسارة الدنيا والآخرة

توقّف الإمام الحسين عليه السلام مع عمر بن سعد في حوار حاسم: سألَه عن دوافعه: أهي عقيدة؟ إن كان يظن أنه على حق، فالعقيدة يمكن مناقشتها.

لكن عمر اعترف أن دافعه الخوف على «البيت، والمال، والعيال، وولاية الري».

الإمام الحسين عليه السلام عرض عليه: أن يبني له بيتًا أفضل إن خاف على داره، وأن يعوّضه عن أمواله، لكن عمر تمسّك في النهاية بوعد «الدعيّ ابن الدعيّ» (ابن زياد) له بولاية الري وجرجان.

فقال له الإمام الحسين عليه السلام ما معناه: إنك ستخسر الدنيا والآخرة؛ فلن تنعم ببرّ العراق إلا قليلاً.

فاختار عمر طريقه، وانتهى مقتولًا على يد المختار، هو وابنه، وضاعت منه «الريّ» والدنيا والآخرة معًا.

هنا يتجسّد نموذج من قال فيهم القرآن: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.

 

الآلية الثالثة: استنقاذ النفوس من معسكر الباطل

استخدم الإمام الحسين عليه السلام سلاح الكلمة والموقف ليُنقذ ما يمكن إنقاذه من قلوب في معسكر ابن سعد: عندما سخر بعض جنود العدو قائلين: «نحن الطيّبون وأنتم الخبيثون»، ردّ عليهم أحد أصحاب الإمام الحسين عليه السلام:

أنتم لا تحسنون من كتاب الله آيتين؛ إن كنتم الطيّبين وسِبْطُ رسول الله وأهل بيته هم الخبثاء، فبئس الفهم!

خطب زهير بن القين، وحبيب بن مظاهر، وغيرهما من الأصحاب، كلماتٍ أثّرت في القلوب.

يذكر المؤرخون أن نتيجة هذه الدعوة: عبَرَ من معسكر عمر بن سعد إلى معسكر الإمام الحسين عليه السلام «اثنان وثلاثون أو ثلاثة وثلاثون» رجلًا؛ فتكامل جيش الإمام الحسين عليه السلام إلى نحو 72–73 شهيدًا.

هذا مكسب عظيم في ميزان الآخرة: كل واحد من هؤلاء انتقل من خانة «أعداء الحجّة» إلى خانة «أنصاره».

 

الحرب على الإمام الحسين عليه السلام بعد الشهادة: مادّيًا ومعنويًا

حارب الأمويون ذكر الإمام الحسين عليه السلام بعد شهادة بعدة أساليب:

محو الأثر المادي: أرادوا ألا يبقى للإمام الحسين عليه السلام قبرٌ يُعرَف؛ لأن القبر يجذب العواطف، ويذكِّر بموقف الدم واللحم الذي وقف بوجه الطغيان.

هدموا، وحرثوا الأرض، وقطعوا الشجرة التي يُستدلّ بها على القبر.

المتوكّل العباسي لاحقًا حَرَث أرض كربلاء، وصبّ الماء عليها، ومنع الزائرين؛ حتى قال الشاعر:

تالله إن كانت أميّةُ قد أتتْ / قتلَ ابنِ بنتِ نبيّها مظلومًا

فلقد أتاه بنو أبيه بمثلِه / هذا لعمرك قبرُه مهدومًا…

محو الأثر المعنوي: كافحوا أي كلمة أو شعر أو خطبة في مدح الإمام الحسين عليه السلام وأهل البيت؛ لأن «الكلمة الشعرية مكهربة بالعاطفة».

الشعراء الشيعة كانوا يُلاحقون؛ فكانوا ينشدون في بيوت الأئمة سرًّا، ومع ذلك خرجت قصائدهم إلى الجمهور وخَلّدت الموقف.

تشويه الدوافع التاريخية

نُسجت قصص مثل «قصة أورَينب بنت إسحاق» لتصوير أن سبب الصراع قصة امرأة، وأن الإمام الحسين عليه السلام خرج لخصومة شخصية، لا لمشروع إصلاحي.

هذا يتناقض مع وثيقة الإمام الحسين عليه السلام الواضحة:

«إني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا ظالمًا ولا مفسدًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدّي».

ورغم كل ذلك، انهزمت هذه المحاولات؛ فلم يُمْحَ ذكر الإمام الحسين عليه السلام، بل تجذّر في وجدان الأمة.

 

وثيقة مكة: تخطيطٌ واعٍ لا حركة عفوية

من خطأ القول إن واقعة كربلاء «كانت عفوية»؛ فالإمام الحسين عليه السلام: خطب في مكة قائلًا: «خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة… وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف… وخُيِّر لي مصرعٌ أنا لاقِيه… لا محيص عن يومٍ خُطّ بالقلم… من كان فينا باذلًا مهجته، موطّنًا على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا، فإني راحلٌ مصبحًا إن شاء الله».

هذه كلمات تخطيطٍ وإرادة، لا كلمات من جرفته الأحداث بلا وعي.

 

الآلية الرابعة: إعداد الأصحاب… وإطلاق الدم

بعد الدعاء والدعوة والإعلام، بقي آخر دواء: الدم.

الإمام الحسين عليه السلام جمع أصحابه ليلة عاشوراء وقال لهم: «ليس عندنا الآن إلا نهاية الخط: الدم، ولا يغسل الدم إلا الدم».

عرض عليهم الانصراف: «هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملًا، كل واحد يضع يده في يد واحد من أهل بيتي، وانجوا بأنفسكم».

فأبوا كلّهم: والعباس عليه السلام قال: «قَبَّحَ الله العيش بعدك يا أبا عبد الله».

بعضهم قال: لو قُتلت ثم نُشِرت، ثم قُتلت، ثم نُشِرت، يُفعل ذلك بي سبعين مرّة ما تركتك.

فشهد لهم الإمام الحسين عليه السلام بقوله: «اللهم إني لا أعلم أصحابًا خيرًا من أصحابي، ولا أهلَ بيتٍ أبرّ وأوفى من أهل بيتي».

ثم أعدّ زينب والنساء للدور الرسالي: انفرد بأخته زينب، وضع يده في يدها، وعزّاها وسلاها، ليهيّئها لحمل عبء الرسالة بعده.

هكذا اكتملت الآليات: دعاء، دعوة، إعلام، إعداد للأصحاب والأهل، ثم تقديم الدم.

 

وفي الختام:

تُظهِر هذه الحلقة أن معنى قوله تعالى: ﴿فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة﴾، تجلّى في الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه بأوضح صوره: بيعٌ تامّ للدنيا في مقابل وجه الله، وخلودٌ لا يقدر عليه سيف ولا محوٌ ولا تشويه.

 

مواضيع مشابهة

ملتقى المعارف -21- أسباب ودوافع النهضة الحسينية

النهضة العاشورية