معاناة الدعاة إلى الحق – د. الشيخ أحمد الوائلي رحمه الله
﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: 26]
تكشف هذه الآية عن مشهد متكرر في تاريخ الرسالات السماوية، حيث يتعرض الدعاة إلى الحق لمكر أعدائهم الذين يسعون بكل وسيلة لطمس نور الهداية. لكن سنة الله في الخلق تقضي بأن يُهدم بنيانهم من الجذور، ويُحيق بهم العذاب من حيث لا يحتسبون.
طبيعة النفوس المعاندة للحق
النفوس التي تربّت على حب الدنيا والمصالح الذاتية غالبًا ما تواجه الحق بعناد. فإذا تعارضت الدعوة الإلهية مع مكاسبهم، يحاولون التحايل، ثم إذا ضاق بهم المجال عادوا إلى المعاندة السافرة. وهذا داءٌ قديم يتجدد في كل جيل.
بل قد ترى من يظهر بين الناس بمظهر العالم، ومع ذلك يعاند الحق إذا خالف هواه، لا جهلًا به، بل حماية لمكانته أو مصالحه، فيكون بذلك من أشد الناس خصومةً للحق وأهله، وهو يعلم.
قريش نموذجًا في المعاندة
قريش كانت تدرك تمامًا أن الأصنام التي تعبدها لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر، ولكن ارتباط تلك الأصنام بموسم الحج والتجارة والنفوذ الديني والاجتماعي جعلهم يصرون على عبادتها. فهل يعترف تاجرٌ بفساد بضاعته إن كانت تدر عليه ذهبًا؟
ولذلك لم يكن رفضهم لرسالة التوحيد نابعًا من قناعة فكرية، بل من حسابات مادية صرفة. فحاربوا النبي صلى الله عليه وآله جسديًا، ونالوه بالإيذاء النفسي، واتهموه بالسحر والجنون والشعر، في محاولة لتشويه صورته أمام الناس.
قانون إلهي في مجابهة الباطل
(فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ)، تعني أن الله أبطل مخططاتهم من جذورها، فانهار عليهم ما بنوه من أباطيل، كما ينهار السقف حين تُهدم أساساته. وهذا يشير إلى سقوط الباطل من داخله، لأن أساسه هشّ، حتى وإن بدا قويًّا للوهلة الأولى.
ثم تأتي نهاية مؤلمة: (وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ)، أي أن العذاب نزل عليهم من جهة لم تخطر على بالهم، وهذا أشد على النفس وأفتك، لأنهم لم يكونوا مستعدين له، ولا متوقعين حصوله.
الدعاة إلى الحق عبر الزمن
ما من نبي أو مصلح إلا وواجه صعوبات عظيمة، ليس من أعدائه الظاهرين فحسب، بل أحيانًا من أقرب الناس إليه. فالحق دائمًا غريب في بدايته، ثقيلاً على النفوس المستعلية، مرفوضًا من أصحاب الامتيازات، لأنه يُهدد سلطانهم ومكاسبهم.
وفي كل عصر يظهر من يحمل راية الحق، ويدعو إلى الإصلاح، ويواجه التهم نفسها: الجنون، الشعوذة، حب الظهور، تهديد المجتمع، مع اختلاف الأساليب، لكن الجوهر واحد.
وفي الختام
هذه الآية تعلمنا أن طريق الحق ليس مفروشًا بالورود، بل محفوف بالتحديات والمحن. وأن الثبات على هذا الطريق يتطلب وعيًا عميقًا بطبيعة الصراع بين الحق والباطل. لا يكفي أن نعرف الحق، بل يجب أن نلتزم به وننصره، مهما كان الثمن.
والباطل مهما بدا قويًّا، فإنه هش في جوهره، وسرعان ما يسقط إذا أُقيمت عليه الحجة. وأهم ما يعين السائرين في طريق الدعوة هو اليقين بأن الله معهم، وأن العاقبة للمتقين.

