بنت باب الحوائج ع – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله
شهر ذي القعدة أول الأشهر الحرم الثلاثة المتتالية: ذي القعدة، وذي الحجة، ومحرم، ثم يضاف إليها شهر رجب الفرد. في هذا الشهر ارتبطت مدينة قم المقدسة بمقامٍ جليل من مقامات أهل البيت عليهم السلام، هو مقام السيدة فاطمة المعصومة بنت الإمام الكاظم عليهما السلام؛ بنت باب الحوائج، وأخت الإمام الرضا، وعالمة من علماء آل محمد.
فاطمة المعصومة… عالمة من المحدثات
سُمّيت فاطمة بنت الإمام الكاظم عليها السلام بالمعصومة – كما في بعض المصادر – لتقواها وعبادتها، حتى شُبّهت بأمها الزهراء عليها السلام. هي ليست مجرّد بنت إمام، بل عالِمة محدثة راوية، حدّثت عن آبائها الطاهرين، وحدّث عنها جماعة من أرباب العلم والحديث، وأثبت لها أصحاب السنن والآثار روايات صحيحة من الفريقين، وذكروها في مرتبة الصحاح الجديرة بالقبول والاعتماد.
من أروع ما يلفت في أسانيدها سلسلةٌ من الراويات كلّهن من الفواطم والعلويات: عن فاطمة بنت علي بن موسى الرضا، عن فاطمة وزينب وأم كلثوم بنات موسى بن جعفر، عن فاطمة بنت جعفر الصادق، عن فاطمة بنت محمد الباقر، عن فاطمة بنت علي بن الحسين، عن فاطمة وسكينة بنتَي الحسين، عن أم كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله.
هذه السلسلة تكشف موقع المرأة في بيت النبوة: نساءٌ عالمات، راويات، حافظات لعلوم النبي وأهل بيته، يروين الأحاديث الكبرى في الإمامة والولاية.
من تلك الروايات:تذكيرٌ بحديث الغدير: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، وحديث المنزلة: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»، تنقلها فاطمة عن فاطمة عن فاطمة… إلى الزهراء عليها السلام.
وفي رواية أخرى، تُنقل سلسلة الفواطم حتى تصل إلى فاطمة بنت رسول الله، فتروي حديث المعراج ودخول الجنة، والقُصور الثلاثة التي كُتب على أبوابها: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي ولي الله»، «محمد رسول الله، علي وصي المصطفى»، وعلى الأستار: «بخٍ بخٍ، من مثل شيعة علي؟» و«بشِّر شيعة علي بطيب المولد»، و«شيعة علي هم الفائزون».
ثم يُقال للنبي: هؤلاء القصور لعلي وشيعته، يُحشر الناس حفاةً عراة، ويُدعون بأسماء أمهاتهم، إلا شيعة علي يُدعون بأسماء آبائهم «لأنهم أحبّوا عليًا فطاب مولدهم».
هنا لا بدّ من التنبيه: انتساب الإنسان إلى «شيعة علي» ليس مجرّد شعار، بل حقيقة سلوكية وإيمانية؛ لا يكفي أن يقول: أنا من الشيعة، ثم يخالف نهجه في العمل والأخلاق.
قم… حرم أهل البيت ومقام المعصومة
ورد عن الإمام الصادق عليه السلام:
«إن لله حرمًا وهو مكة، وللرسول حرمًا وهو المدينة، ولأمير المؤمنين حرمًا وهو الكوفة، ولنا حرمًا وهو بلدة قم. وستُدفن فيها امرأة من أولادي تُسمّى فاطمة، فمن زارها وجبت له الجنة».
هذا النص يكشف: أن قم حرمٌ لأهل البيت، وأن المدفون فيها من ذريتهم لها مقام عظيم، وأن زيارتها ليست مجرّد عاطفة، بل طريقٌ إلى رضوان الله لمن عرف حقّها وأدّى حقوق الزيارة.
من لطيف العناية الإلهية ما يُروى عن أحد كبار العلماء (السيد المرعشي) أنه توسّل بأمير المؤمنين عليه السلام ليعرّفه على قبر الزهراء، فرأى في المنام أن الإمام يقول له: «لستُ مأذونًا أن أُعرِّفك بقبرها، ولكن زُر قبر فاطمة المعصومة في قم»، فكانت قم محطَّ رحاله ومقامه، وارتبط بالمعصومة علاقة روحية عميقة حتى أوصى أن تُربط جنازته بطرف عمامته بالطريق إلى ضريحها، مستجيرًا بها في انتقاله إلى الآخرة.
وجودها في قم كان بركةً علمية وروحية؛ فصارت المدينة حوزةً علمية كبرى، يرجع إليها كبار العلماء، حتى حُكي عن صدر المتألّهين وغيره أنه كان يأتي حرمها حين تستعصي عليه مسألة، فيُكثر من الزيارة والتفكّر، فيُفتح له باب الفهم.
ذي القعدة… شهر حرام وفرص عبادية خاصّة
ذي القعدة شهرٌ حرام؛ حرّم الله فيه القتال مع الكفار، والعاقل يتنبّه من ذلك إلى قبح محاربة الله بالمعصية في هذا الشهر. إذا كان القتال الخارجي موقوفًا، فحريّ بالمؤمن أن يُكفّ أيضًا عن محاربة ربّه بالذنوب والعصيان.
ينصح العارف الملكي التبريزي في «المراقبات»:
أن يجتهد العبد في حفظ قلبه وبدنه في هذه الأشهر أكثر من غيرها، وأن يحاول تحصيل رضا الله، والرضا بقضائه، ليخرج من حالة «حربٍ خفيّة» مع ربّه.
ليلة النصف من ذي القعدة
من المواسم الإلهية البارزة ليلة الخامس عشر من ذي القعدة؛ ليلة كثير من الناس عنها غافلون، وكلما عمّت الغفلة، عظم ثواب من أحياها.
نُقل عن النبي صلى الله عليه وآله:
«إن في ذي القعدة ليلة مباركة، وهي ليلة خمس عشرة؛ ينظر الله إلى عباده المؤمنين فيها بالرحمة، أجر العامل فيها بطاعة الله أجرُ مائة سائحٍ لم يعصِ الله طرفة عين… فإذا كان نصف الليل، فخُذْ في العمل بطاعة الله والصلاة وطلب الحوائج؛ فقد رُوي أنه لا يبقى أحدٌ سأل الله فيها حاجة إلا أعطاه».
العقل يحكم هنا: حتى لو لم يُدرَس سند الرواية، وكان هناك احتمال بوجود هذا الفضل العظيم، فإن هذا الاحتمال وحده كافٍ ليحرّك المؤمن للعمل؛ كما يتحرّك من يسمع أن في مكانٍ ما فرصة لمكسب دنيوي كبير، فيبذل الجهد للوصول إليه، مع أن احتمال الفشل قائم.
مقارنة بين همّ الدنيا وهمّ الآخرة
يلفت الملكي التبريزي النظر إلى مفارقة خطيرة:
من أجل كأس شاي ينهض الإنسان، يغسل الكأس، يُشعل النار، ينتظر الغليان…
ومن أجل صفقة دنيوية، قد يسافر من بلدٍ لآخر، يترك أهله، يتحمّل المخاطر، وربما يُعرِّض نفسه للموت في البحار والقوارب، طمعًا في مبلغٍ من المال.
بينما حين يُقال له:
في ليلة النصف من ذي القعدة، أو في ليلة الرغائب، أو في عمل عباديّ معيّن، فضلٌ عظيم،
يتثاقل، ويتذرّع بأن السند ليس قويًا، أو بأن الأمر غير مؤكّد، مع أن نفع الآخرة أبديّ، لا يُقاس بمنافع الدنيا المحدودة المعرّضة للأكدار والزوال.
العقل السليم يقف هنا ويسأل نفسه:
كم أبذل من جهدٍ لأجل مكاسب دنيوية مهدّدة؟
وكم أبذل من جهدٍ لأجل فرصة واحدة من فرص الأبد؟
خاتمة
السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام نموذجٌ للمرأة المؤمنة العالمة العابدة، ومقامها في قم بركةٌ للأمّة، ومنارٌ لطالب العلم والروح.
وشهر ذي القعدة فرصة لنستحضر حرمة الأشهر الحرم، ولنحيي ليلة النصف منه بالدعاء وطلب الحوائج، ولنستقبل أيام الأحد فيه بعمل التوبة، ولنقيس حرصنا على فرص الآخرة بقدر حرصنا على متاع الدنيا.
من عرف قدر هذه المواسم، وأقبل عليها بجدٍّ وحياء من الله، رُجيَ له أن يكون ممن تُستجاب دعوتهم، وتُغفر ذنوبهم، ويتقرّبون درجةً لأهل البيت ومحبتهم، وفي مقدمتهم بنت الكاظم، فاطمة المعصومة عليها السلام.
مواضيع مشابهة
وثائقي كريمة أهل البيت عليها السلام – فضل السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام

