قناة المعارف الفضائية | سراج العلم والفضيلة
فهرس: آداب الصلاة
آخر برامج من: الشيخ حسين الكوراني (ره)
آخر برامج في قناة المعارف الفضائية

حب الجاه والشهرة من المهلكات العظيمة (2) – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله

حب الجاه والشهرة من المهلكات العظيمة، وخطورتهما تتضاعف حين يقترنان بحبّ المال؛ إذ يصبح القلب مرتعًا لذئابٍ معنوية تفتك بالإيمان شيئًا فشيئًا حتى لا تكاد تبقي منه شيئًا.

 

حب الجاه والمال… بذور النفاق

في الحديث الشريف: «حب الجاه والمال ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماءُ البقل».

بمجرّد أن يبدأ القلب بالتعلّق بالجاه والمال، تبدأ بذور النفاق بالنموّ فيه: اليوم نبتة صغيرة، وغدًا شجيرة، وبعد سنين تتحوّل إلى غابةٍ مليئة بالأفاعي المعنوية والذئاب المفترسة، من كِبرٍ ورياءٍ وحسدٍ وغلّ، نتيجة أن الإنسان أمضى عمره يعبد الناس، لا ربّ الناس.

وفي رواية أخرى شديدة الوضوح: «ما ذئبانِ غارِيان – أي شرسان – أُرسِلا في زريبة غنم، بأكثرَ فسادًا من حب الجاه والمال في دين الرجل المسلم».

من قرّر أن يجعل قلبه موطنًا لحب الجاه والمال، فكأنما أدخل إلى أعماقه ذئبين ضاريين، فتْكُهما بدينه أعظم من فتك ذئبين حقيقيين بزريبة من الغنم.

 

خطر الإشارة بالأصابع

ورد عن النبي صلى الله عليه وآله: «بحسب امرئٍ من الشر – إلا من عصمه الله – أن يُشار إليه بالأصابع»؛ أي يكفي الإنسان من الشرّ أن يصبح مشهورًا بين الناس، يتحدّثون عنه في الدين والدنيا، إلا من عصمه الله، وهم قِلّة نادرة.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام: «تَبَذَّل ولا تَشتهِر، ولا ترفَعْ نفسَك لتُذكَر، وتعلَّمْ واكتُمْ، واصمتْ تسلَمْ، تُسِرَّ الأبرار وتُغيظ الفُجّار».

المؤمن الحقيقي: يحبّ أن يكون مستورًا عند الناس، معروفًا عند الله، لا يعمل لعيون الخلق، بل لعين الحق، يفرح إن خفي ذكره، لأنه يرجو أن يكون ممّن عرفهم الله، وإن جهلهم الناس.

 

لا تتاجر بالحق ولا بأهل البيت

من أخطر صور حب الجاه والمال: أن يجعل الإنسان من موقعه الديني أو الاجتماعي وسيلة لأكل أموال الناس بالباطل، أو أن «يستأكل بأهل البيت»؛ يطلب المال باسمهم، ويجعل المنبر أو الخدمة الدينية وسيلة للتسوّل المغلّف.

ورد: «لا تأكلوا الناس ولا تأكلِ الناسَ بنا فيُفقِرك الله».

وعن من «يستأكل الناس بالحسين»، أي يتكسّب باسمه، من غير إخلاص ولا صدق.

من صعد المنبر، أو تصدّر في موقع خدمة دينية، وهدفه الأول أن يُقال: فلان خطيب، أو فلان سيد، أو فلان صاحب مجلس، أو لِيُفتَح له باب المال، فهو في الحقيقة شحّاذ على المنبر، وإن لبس ألف لباس دين.

العمل للحقّ معناه:

أن يكون الهدف «أن يُقال الحقّ ويُعمل به»، لا أن يُذكَر الاسم ويُصفَّق لصاحبه.

 

الرئاسة المذمومة و«خفق النعال»

عن الإمام الباقر عليه السلام:

«لا تطلبنّ الرئاسة، ولا تكن ذَنَبًا؛ ولا تطلب الرئاسة، ولا تأكل الناس بنا فيفقرك الله».

وعن الإمام الصادق عليه السلام:

«إيّاكم وهؤلاء الرؤساء الذين يترأسون، فوالله ما خَفَقَتِ النِّعالُ خلفَ رجلٍ إلا هلك وأهلك»، إلا من عصمه الله.

المذموم ليس مطلق القيادة؛ فقد يكون الإنسان في موقعٍ من مواقع الجهاد أو المسؤولية العامة، ويُفرَض عليه أن يكون مقدَّمًا؛ هذا إن قصد به خدمة الحقّ، ولم يطلبه لهواه، فهو في أمان إن شاء الله.

المهلك هو: أن يطلب الرئاسة لنفسه، أن يفرح بخفق النعال خلفه، أن يعشق الموكب والحراسة والهيبة، لا أن يتحمّلها اضطرارًا لخدمة تكليفٍ شرعي.

من كانت ظروف عمله الأمني أو السياسي أو الجهادي تستلزم وجود مرافقين، فهذا قد يكون واجبًا، بل حرام عليه التفريط بأمنه إذا ترتب عليه ضياع حقٍّ عام أو مصلحةٍ للأمة. لكن الخطر أن يُحِبَّ هذه المظاهر، وأن يجعلها جزءًا من هويته، فيرى نفسه أكبر من الناس، لا واحدًا منهم.

 

هروبُ الأكابر من الجاه والشهرة

يذكر أهل المعرفة أن أكابر العلماء وأعظم الأتقياء كانوا يفرّون من الجاه والرئاسة «فرارَ الرجل من الحيّة السوداء».

ومن أمثلتهم: بعضهم إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة قام من مجلسه؛ حتى لا يتحوّل المجلس إلى «حلقة» باسمِه، ولا يشعر بقلبه بلذة التجمّع حوله.

وبعضهم كان يبكي لأن اسمه ذُكر في المسجد الجامع، أو لأن الناس تناقلوا قصّة عبادته؛ يرى في ذلك خطرًا على إخلاصه لا مدعاةً للفخر.

وبعضهم إذا تبعه قوم التفت إليهم وقال: «لِمَ تتبعونني؟ فوالله لو تعلمون ما أُغلِقُ عليه بابي ما تبعني منكم رجلان؛ أنا صاحب الدواهي العظمى»، يستصغر نفسه، ويرى عيوبه، ولا يرى نفسه أهلًا لتقديس الناس.

وينقل عن بعضهم قوله:

«لا أعرف رجلاً أحبّ أن يُعرَف إلا ذهب دينُه وافتُضِح»؛ فمجرد حبّ أن يكون معروفًا بين الناس علامة على ضعف الصدق مع الله.

ويقول آخر: «لا يجد حلاوة الآخرة رجلٌ يحب أن يعرفه الناس».

 

متى يَسُرّك أن لا تُعرَف؟

خلاصة الطريق أن يكون همّ العبد: أن يرضى الله عنه، وأن يكون عند النبي صلى الله عليه وآله من أمته بحقّ، وعند أمير المؤمنين عليه السلام من شيعته فعلاً، وعند فاطمة عليها السلام محلَّ رضاها، وعند إمام زمانه موضعَ عنايته.

أما الناس، فذكرُهم أو جهلُهم لا قيمة له في ميزان الآخرة؛ بل ورد:

«والله ما صدق اللهَ عبدٌ إلا سرَّهُ ألا يُشعَرَ بمكانه»؛ لا يكون صادقًا مع الله حقًا إلا من يفرح إذا لم يُذكر اسمه بين الناس، ولم يكن له مكانٌ في مجالسهم، ما دام مكانُه محفوظًا عند ربه.

 

خاتمة

حب الجاه والمال بابان عظيمان من أبواب النفاق: يبدآن ببذور صغيرة من الإعجاب بالنفس، ثم يتحوّلان إلى ذئابٍ تفترس القلب، حتى يصبح العبد عبدًا لرضا الناس، لا لرضا ربّ الناس.

النجاة في: أن يُراقب الإنسان قلبه كلما مُدح أو قُدِّم، وأن يهرب من طلب الرئاسة والظهور، وأن يطلب الخمول عند الناس إن كان فيه سلامة دينه، وأن يكون سرورُه الحقيقي بأن يكون معروفًا عند الله، مجهولًا عند الناس.

 

مواضيع مشابهة

محطات تربوية -27- آفة التكبر بالمال والجاه

بركات التواضع