قناة المعارف الفضائية | سراج العلم والفضيلة
فهرس: المنبر العميد
آخر برامج من: الدكتور الشيخ أحمد الوائلي (ره)
آخر برامج في قناة المعارف الفضائية

الدعاء .. بين التعلّق بالله ومسؤولية الإنسان – د. الشيخ أحمد الوائلي رحمه الله

يقول الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾.

هذه الآية ليست دعوةً إلى انتظار المعجزة وترك العمل، وليست مجرد كلمات تُقرأ عند الشدائد؛ بل هي منهجٌ كامل يعيد الإنسان إلى حقيقته: أنّه ضعيفٌ مهما امتلك من أسباب، وأن الله هو القويّ الذي تنتهي إليه كل الأسباب.

فالإنسان مطلوبٌ منه أن يفكّر، ويعمل، ويتعلّم، ويبحث عن الرزق، ويستعمل الدواء، ويواجه مشكلاته، لكن عليه في الوقت نفسه أن لا يغترّ بقوته ولا بذكائه ولا بما في يده. الحركة من الله، والقدرة من الله، والفرصة من الله، وتيسير الرزق من الله؛ وكلّ ما نملكه من وسائل لا يستقلّ عن إرادته سبحانه.

من هنا يصبح الدعاء لونًا من العبادة؛ لأن الداعي يعترف عمليًّا بأنه فقيرٌ بين يدي الغني، وضعيفٌ بين يدي القوي، وزائلٌ بين يدي الدائم.

 

الدعاء ليس بديلًا عن الأسباب

من الأخطاء الشائعة أن يفهم بعض الناس التوكّل على أنه تعطيل للأسباب؛ فيجلس الإنسان منتظرًا أن تحلّ مشكلته بالدعاء وحده، مع أن الله جعل للحياة سننًا وأسبابًا.

الدعاء لا يعفي الإنسان من: العمل في طلب الرزق، و مراجعة الطبيب عند المرض، وتوثيق الحقوق المالية، وإصلاح الخطأ الذي صنعه بيده، واتخاذ القرار الواضح حين يكون القرار بيده.

ليس من المنطقي أن يهمل الإنسان وسائل حفظ حقه، ثم إذا ضاع الحق دعا الله متسائلًا لماذا لم يُستجب له. وليس من المعقول أن يظلّ في علاقةٍ مؤذية أو وضعٍ قابل للإصلاح، ثم يكتفي بتكرار الدعاء من دون خطوة عملية.

إنما يبدأ الدعاء حيث يبذل الإنسان وسعه، ويستعمل ما أتاحه الله له من وسائل، ثم يعترف بأن النتائج ليست بيده وحده.

ولهذا فإن معنى التوكّل الصحيح هو: أن أعمل كأن الأسباب مؤثرة، وأتوجّه إلى الله كأن الأسباب لا تؤثر إلا بإذنه.

 

أدعية القرآن وأهل البيت: لغةٌ تعلّم القلب

يجوز للإنسان أن يدعو الله بما يفتح به قلبه، فالله يعلم السرّ وأخفى؛ لكن الأدعية الواردة في القرآن الكريم، وعلى لسان النبي وأهل البيت عليهم السلام، تمتاز بأنها تصوغ القلب بطريقة صحيحة.

حين يدعو الإنسان بأدعية أهل البيت، فهو لا يأخذ كلماتٍ جميلة فقط، بل يتعلّم: كيف يعترف بذنبه من دون يأس، كيف يطلب الرزق من دون جشع، كيف يخاف الله من دون قنوط، كيف يحبّ الله من دون أن ينسى مسؤوليته في الدنيا.

أهل البيت هم عدل القرآن، والتمسّك بكلماتهم في الدعاء يعني أن الإنسان يسير في طريقٍ مأمونٍ في فهم التوحيد والعبادة.

فالدعاء الحقيقي لا يجعل الإنسان أقلّ حركة في الحياة؛ بل يجعله أكثر صفاءً، وأقلّ غرورًا، وأقدر على رؤية نفسه وحاجته وحدوده.

 

من هو المضطر؟

المضطر ليس فقط من وصل إلى لحظة الخطر الشديد، بل كل من ضاقت به السبل:

مريض لا يجد الدواء، أب يرى ابنه يتألّم ولا يملك تكاليف العلاج، إنسان أثقلته الديون، عائلة فقدت مأواها أو مصدر رزقها، شخص ظلمته سلطة أو نظام أو فرد أقوى منه.

في كل هذه الحالات، يكون الدعاء بابًا مفتوحًا بين العبد وربه. لكن الآية لا تريدنا أن نكتفي بمشاهدة المضطر ثم نقول: «الله يفرّج عنه». بل تريد أن تربي فينا الشعور بأن المضطر مسؤوليتنا أيضًا.

فإذا رأيت إنسانًا اضطر لبيع بيته أو سيارته أو أثاثه بثمنٍ بخس، فليس من المروءة أن تستغل أزمته لتربح على حسابه. المعاملة قد تكون صحيحة في ظاهرها، لكنّ الإنسان المتديّن لا يكتفي بصحّة الشكل؛ بل يسأل: هل أرضى أن أُعامل بهذه الطريقة لو كنت مكانه؟

المروءة تقتضي أحد أمرين: أن تُقرضه ما يخرجه من أزمته حتى تتيسّر أموره، أو أن تشتري منه بسعرٍ عادل، لا بسعر الاضطرار والاستغلال.

الدين لا يبني مجتمعًا يتفرّج على المحتاج، بل مجتمعًا يرى في نجدة المضطر عبادةً ومسؤولية.

 

الفقر ليس دائمًا عيبًا فرديًّا

من الظلم أن ننظر إلى كل فقيرٍ باعتباره مقصّرًا أو فاشلًا أو منحرفًا. قد يكون بعض الناس قادرًا على العمل ويختار الكسل، وهذا يحتاج إلى علاجٍ وتوجيه، لكنّ كثيرًا من الفقر تصنعه ظروف خارجة عن إرادة الإنسان: مرض، فقدان عمل، غلاء معيشة، حرب أو تهجير، فساد إداري، وظلم اقتصادي.

الجوع ليس حالةً عادية؛ فهو يضغط على الإنسان، وقد يدفعه إلى ما لا يريده من ضعفٍ وانكسارٍ وتنازلٍ عن كرامته. لذلك ورد أن الفقر من أشدّ ما يبتلي به الإنسان، لأنه قد يكون عاملًا مساعدًا على النفاق والانحراف وضياع الشخصية.

من هنا، لا يصحّ أن نحاكم من وقع في خطأ من دون أن ندرس ظروفه. الفقه الإسلامي نفسه يراعي الاضطرار: فالمضطر قد يُرخَّص له في بعض ما لا يُرخَّص لغيره، والعقوبات لا تُطبّق بلا دراسة للظروف.

والفرق كبير بين من يعتدي طمعًا، ومن اضطرّته الحاجة القاسية إلى تصرّفٍ لا يريده.

هذه ليست دعوة لتبرير الجريمة، بل دعوة إلى العدل في فهم الجريمة، وإلى علاج أسبابها قبل التسرّع في إدانة ضحاياها.

 

كشف السوء يبدأ بالعدل

تقول الآية: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾. والسوء قد يكون مرضًا أو فقرًا أو بلاءً شخصيًّا، لكنه قد يكون أيضًا حكمًا جائرًا يفسد حياة الناس.

حين ينتشر الظلم في الإدارة، وتُهدر الأموال، ويُكرَّس الاحتكار، وتُغلق أبواب العمل، يصبح الفقر نتيجة طبيعية لنظامٍ فاسد، لا عيبًا في الناس وحدهم.

ولهذا قيل لأحد الولاة الذين طلبوا أموالًا لإصلاح بلدٍ خربت طرقه ومرافقه: «حصّن بلدك بالعدل، ونقِّ طرقه بالاستقامة؛ فذلك مرمّتها».

هذه قاعدة عظيمة؛ فالعدل ليس فضيلةً أخلاقية فحسب، بل هو مشروع إعمار.

فالبلد لا يُصلح بكثرة الأموال إذا بقيت يد الظلم تعبث به، ولا تستقرّ الأسواق إذا غاب الإنصاف، ولا يشعر الفقير بالأمان إذا رأى الحقوق موزّعة بحسب النفوذ لا بحسب الحاجة والاستحقاق.

 

خلفاء الأرض: مسؤولية لا امتياز

ثم تقول الآية: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾.

الخلافة في الأرض لا تعني أن الإنسان يملك الأرض ملكًا مطلقًا، ولا أن القوة تبرّر الاستيلاء؛ بل تعني أن الإنسان مستخلفٌ ليعمر، ويصلح، ويقيم العدل، ويترك الحياة أفضل ممّا وجدها.

نحن نأتي إلى الدنيا بعد أجيال مضت، ثم نرحل لنترك المكان لأجيال تأتي بعدنا. كلّ جيلٍ يتسلّم الأمانة مؤقتًا: أرضًا يحتاج أن يحافظ عليها، مجتمعًا يحتاج أن يخفّف آلامه، أبناءً يحتاج أن يربّيهم، قيمًا يحتاج أن لا يبدّدها.

هذا المعنى يجعل الإنسان أكثر تواضعًا؛ فما بين أيدينا ليس ملكًا دائمًا، بل وديعة سنُسأل عنها.

 

كربلاء: صورة الاضطرار الذي تحوّل إلى خلود

حين نتأمل كربلاء، نرى قمة الاضطرار الإنساني: عطش الأطفال، قلة الناصر، الحصار، الفقد المتتابع.

وقوف الحسين عليه السلام أمام جسد ولده علي الأكبر، وهو يرى شبابه وبهاءه يُسلبان أمام عينيه.

لكن كربلاء لم تكن درسًا في الاستسلام للاضطرار؛ بل في تحويل الاضطرار إلى دعاء وموقف وكرامة. الحسين لم يطلب من الله النجاة لنفسه بأي ثمن، بل طلب أن يبقى الحق حيًّا، وأن لا تُمحى رسالة جده تحت أقدام الطغيان.

ومن هنا، فإن دمعة الحسين لا ينبغي أن تجعلنا نغفل عن مضطري زماننا: الجائع الذي يحتاج إلى طعام، المديون الذي يحتاج إلى يدٍ كريمة، المريض الذي يحتاج إلى دواء، المظلوم الذي يحتاج إلى كلمة حق، والأسرة التي تحتاج إلى نظامٍ عادل يحفظ كرامتها.

 

خاتمة

آية «أمّن يجيب المضطر» تفتح أمامنا طريقين متلازمين: طريقًا إلى السماء: بالدعاء، والانكسار بين يدي الله، والاعتراف بأن لا ملجأ منه إلا إليه.

وطريقًا إلى الأرض: بالعمل، والعدل، ونجدة المحتاج، وعدم استغلال ضعف الناس.

فالدعاء الذي لا يُنتج رحمةً بالخلق ناقص الأثر، والعمل الذي لا يتصل بالله قد يتحوّل إلى غرورٍ واستبداد.

 

مواضيع مشابهة

خير الزاد – 1092- الفكر والذكر والدعاء في حياة المؤمن

من شروط الدعاء والداعين