الظلم وقوانين الإسلام – د. الشيخ أحمد الوائلي رحمه الله
قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
تبدأ الآية الكريمة بفاء التعقيب، وفي ذلك إشعار بأن الحساب يأتي متعقبًا لأعمال الإنسان، فلا يضيع عمل ولا يفلت صاحبه من المساءلة. فالإنسان يتحرك في هذه الحياة وهو مسؤول عن أفعاله، وما يصدر عنه من قول أو فعل سيكون حاضرًا يوم الحساب، حيث لا تُظلم نفس شيئًا، ولا يُجازى الإنسان إلا بما عمل.
قبح الظلم وعدل الله تعالى
إن الظلم من أقبح القبائح، بل إن قبحه من الأمور التي يدركها الإنسان بفطرته، مهما اختلفت المجتمعات والأفكار والتوجهات. فالإنسان بطبيعته يستنكر أن يُسلب حقه أو يُعتدى عليه أو يُعامل بغير عدل، ولذلك كان الظلم مرفوضًا في ميزان الفطرة والعقل والشرع.
ومن هنا فإن الظلم لا يجوز على الله تعالى، لأنه سبحانه عادل لا يظلم أحدًا، وقد أكد القرآن هذه الحقيقة بقوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾. فالعدل الإلهي يعني أن الإنسان سيجد جزاء عمله على أساس من الحق والإنصاف، فلا يحمل أحد وزر غيره، ولا يُنقص من حق أحد شيء.
المساءلة رادع أمام انحراف الإنسان
الغرض من تذكير الإنسان بالحساب والجزاء هو إشعاره بأن حياته ليست منفلتة من المسؤولية، وأن لكل تصرف أثرًا وتبعة. فلو تُرك الإنسان لشهواته ونزواته دون وازع أو رقابة، لأمكن أن يتحول المجتمع إلى ساحة للصراع، يأكل فيها القوي حق الضعيف، وتضيع فيها الحقوق والحرمات.
ولهذا كان الإيمان بالحساب من أهم الضوابط التي تحفظ سلوك الإنسان، لأن المؤمن يعلم أن هناك يومًا لا يستطيع فيه أن يهرب من نتائج أعماله، وأن ما قد يفلت منه في الدنيا لن يفلت من الحساب الإلهي.
القوانين الوضعية وحدود الردع بالعقوبة
وقد أدركت المجتمعات الحديثة أهمية الردع، فوضعت القوانين والأنظمة والعقوبات لحماية المجتمع ومنع الاعتداء على حقوق أفراده. ولذلك نشأت قوانين العقوبات التي تفرض السجن والغرامات وغيرها من الجزاءات، وفي بعض الأنظمة عقوبات أشد، بهدف ردع من تسوّل له نفسه ارتكاب الجريمة.
ومع ذلك، فإن وجود القوانين والعقوبات لا يعني القضاء على الجريمة؛ فما زال في المجتمعات من يسرق ويقتل ويعتدي وينتهك حقوق الآخرين، مع علمه بالعقوبة التي يمكن أن تقع عليه. والسبب أن القانون الخارجي لا يستطيع أن يكون حاضرًا في كل لحظة، ولا يستطيع أن يراقب الإنسان في خلوته، ولذلك يبقى السؤال الأهم: ماذا يمنع الإنسان من الجريمة عندما لا يراه أحد؟
قوانين الإسلام بين العقوبة وتربية الإنسان
الإسلام لم يهمل جانب العقوبة والردع، فقد شرّع الحدود والقصاص والديات والتعزيرات، ووضع أحكامًا تهدف إلى حفظ المجتمع وصيانة الحقوق ومنع انتشار الجريمة والانحراف.
لكن الميزة الأساسية في المنهج الإسلامي أنه لا يكتفي ببناء سور خارجي من العقوبات، وإنما يعمل قبل ذلك على بناء الإنسان من الداخل. فهو يريد أن يصل الإنسان إلى مرحلة يصبح فيها ضميره حيًا، وقلبه واعيًا، وإيمانه حاضرًا، بحيث يترك الحرام حتى عندما لا توجد سلطة تراقبه.
وهنا يظهر الفرق بين إنسان لا يسرق لأنه يخاف الشرطة، وإنسان لا يسرق لأنه يرى أن مال الآخرين حرام حتى لو أُتيحت له الفرصة ولم يكن هناك من يراقبه. الأول يردعه القانون، أما الثاني فيردعه ضميره وإيمانه، ولذلك يكون سلوكه أكثر ثباتًا واستقامة.
الوازع الداخلي أساس الاستقامة
إن التربية الإسلامية تسعى إلى صناعة هذا الوازع الداخلي من خلال الإيمان بالله، واستحضار الرقابة الإلهية، والإيمان بالمعاد، وتهذيب النفس. فالإنسان الذي يؤمن بأن الله يراه في السر والعلن، وأن أعماله محفوظة وسيحاسب عليها، يحمل معه رقيبًا لا يغيب عنه.
وهذا هو الرادع الأقوى؛ لأن قوة القانون مهما بلغت تبقى محدودة بقدرة الإنسان على الإفلات منه، أما الوازع الداخلي فيرافق الإنسان حيثما ذهب. ولذلك فإن إصلاح المجتمع لا يبدأ من العقوبات وحدها، وإنما يبدأ من إصلاح الإنسان الذي يحمل القانون ويطبقه ويعيش في ظلّه.
خاتمة
إن الإسلام لا يقف في مواجهة الظلم بمجرد العقوبة بعد وقوع الجريمة، بل يسعى إلى منع الظلم من منبعه الأول، وذلك بتربية النفس على مراقبة الله واحترام حقوق الآخرين والشعور بالمسؤولية أمام يوم الحساب.
فالقانون الخارجي مهم لحماية المجتمع وردع المعتدي، لكنه لا يكفي وحده لصناعة مجتمع عادل. أما حين يجتمع القانون مع التربية، والعقوبة مع الوازع الداخلي، والخوف من العقوبة مع خشية الله، يصبح الإنسان أكثر قدرة على ضبط نفسه والاستقامة في سلوكه.
ولهذا يأتي التذكير القرآني حاسمًا: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ فليس هناك عمل يضيع، ولا ظلم يبقى بلا حساب، والإنسان مسؤول عن الطريق الذي اختار أن يسلكه.

