قناة المعارف الفضائية | سراج العلم والفضيلة
فهرس: آداب الصلاة
آخر برامج من: الشيخ حسين الكوراني (ره)
آخر برامج في قناة المعارف الفضائية

حب الجاه ينبت النفاق – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله

حبّ الجاه (طلب المنزلة في قلوب الناس) ليس «ضعفًا بسيطًا» في الشخصية، بل من أخطر الأمراض القلبية؛ لأنه لا يكتفي بإضعاف الخشوع في الصلاة، بل قد يسلب أصل الدين من القلب حتى يُخرِج الإنسان – والعياذ بالله – من حقيقة الإيمان.

 

كيف يحوِّل حب الجاه صاحبه إلى منافق؟

النفاق هو مخالفة الظاهر للباطن؛ أن يكون في القلب شيء، وفي اللسان والعمل شيء آخر.

من طلب الجاه عند الناس، واضطرّ – لأجل تثبيت صورته عندهم – أن: يُظهِر خصالًا حميدة لا يحملها في باطنه، أو يتظاهر بالإخلاص والعبادة، وهو في قلبه يريد نظر الناس لا وجه الله، فهذا هو النفاق بعينه.

لذلك قيل: «حب الجاه ينبت النفاق كما ينبت الماءُ البقل»؛ كلّ مرة يجامل الناس رياءً، أو يُصلّي وينظر من يراه، يزرع حبّة جديدة من حب الجاه، فتنبت معها حبّة من النفاق.

الخطر الأكبر حين يمضي على هذا الحال سنوات: من سنّ البلوغ إلى العشرين، أو الثلاثين، أو أكثر، وهو يشتغل على حب الجاه، فينمو النفاق في قلبه، ثم يأتي يريد «خشوعًا في الصلاة» بتمرينٍ بسيط هنا وهناك، وهو لا يدري أن أصل دينه قد تآكل من الداخل.

عندئذٍ لا تكفي «تقوية الخشوع»؛ بل يحتاج إلى إعادة صياغة تدينه من الأساس: مراجعة علاقته بالله، وصدق توحيده، وهدفه من العبادة.

 

أولى مفاسد حب الجاه: العبودية لرضا الناس

أول ثمرة مرّة لحب الجاه أن يصبح صاحبه: «مقصور الهمّ على مراعاة الخلق»؛ لا يهمّه إلا ماذا يقول الناس عنه.

فيتصرّف هكذا: يعلم أنّ تصرّفًا معيّنًا لا يرضي الله، لكنّه يرضي الناس، فيفعله بلا تردّد.

يسيء إلى شخص أمام الناس، فإذا طالبه ذاك بحقه، لا يعتذر مع أنه يعرف خطأه، بل: يزيد في التهجّم، أو يرفع صوته ويضربه، أو يردّ بقسوة أشدّ؛ لأنه أسير صورة «الرجولة» والهيبة في أعين الحاضرين.

هذا الابتلاء نراه كثيرًا بين: الأزواج والزوجات، الآباء والأبناء، الرؤساء والمرؤوسين.

مثلًا: زوجٌ يصرّ على إهانة زوجته أمام أهله؛ كي يُظهِر أنه «لا يُعارَض»، مع علمه أن هذا ظلم لا يرضاه الله.

أو زوجة تناقش زوجها أمام أهلها لتُثبت أنها لا تخضع، مع علمها أن أسلوبها لا يرضي الله.

النتيجة:

القلوب تُستعبَد لرضا الناس، وتبتعد عن صدق «إياك نعبد».

 

تساهل في العبادات واقتحام للمحرمات

من آثار حب الجاه:

التساهل في العبادات: يصلي، لكن لا لله، بل ليراها الناس؛ يطيل قيامه أو تلاوته حين يراه أحد، ويختصر إذا كان وحده.

اقتحام المحظورات لاقتناص القلوب: يوافق على مجالس غيبة أو منكرات لأنه يخشى أن يُتَّهَم بالرجعية، أو يظلم من تحته ليُرضي من فوقه، أو يتهاون في الحرام ليحافظ على «شعبيته».

هكذا يتحوّل حب الجاه إلى محرك للمعصية.

 

الجاه والشهرة: من أي قوّة فاسدة ينبتان؟

الأخلاق الإسلامية ترى أن للنفس قُوى رئيسية: قوة غضبية (البطش والسيطرة)، قوة شهوانية (اللذّة وحظوظ الجسد).

حب الجاه والشهرة قد ينبع من إحداهما أو منهما معًا: إن كان الهدف من الجاه الغلبة والاستيلاء على الناس، فهو من رذائل القوة الغضبية؛ يريد أن يتحكّم، أن يأمر فيُطاع، أن يخضع له الجميع.

إن كان الهدف منهما التوصّل إلى قضاء الشهوات (المال، النساء، الرفاه، التميّز الدنيوي)، فهو من رذائل القوة الشهوانية.

وغالبًا يجتمع الأمران: يريد السيطرة، ويريد في الوقت نفسه أن يفتح له الجاه أبواب الشهوة، فيكون حبّ الجاه والشهرة خلاصة فساد الغضب والشهوة معًا.

 

ابتلاء العلماء والعبّاد بحب الجاه

الخطر الأعظم حين يُصاب بحب الجاه: العلماء، والعبّاد، والمجتهدون في الآخرة.

قيل: «إنما يُبتلى بحب الجاه العلماءُ والعبّاد والمشمّرون عن ساق الجدّ لسلوك سبيل الآخرة»؛ لأن الشيطان إذا استطاع إسقاط عالمٍ أو عابدٍ معروف، سقط معه جمعٌ ممّن يتعلّمون عليه ويتأثّرون به.

الصورة التي ترسمها التحليلات هنا:

عالمٌ أو عابد: جاهد نفسه سنوات، ترك المعاصي الظاهرة، أخلص في عباداته، صار له صفاء، وربما ظهرت على يديه كرامات.

يبدأ الناس يتحدّثون عنه: فلان مستجاب الدعوة، فلان له كرامات، فلان لم يترك صلاة الليل منذ ثلاثين سنة…

يأتي الشيطان من باب «الدين»:

هذه الكرامات يجب أن تُظهَر؛ ليزداد الناس إيمانًا، «وأما بنعمة ربك فحدّث»، من العيب أن تُخفي ما أعطاك الله…

يذيع شيئًا من أحواله، فيقبل الناس عليه: يبالغون في مدحه، يتبرّكون برؤيته، يحرصون على دعائه، يتسابقون لخدمته، يقدّمونه في المجالس، يسهّلون له المعاملات، يؤثرونه بالطعام واللباس…

هذه الأمور ليست بذاتها دليل سوء؛ فهي ثمرة محبّة الناس لأهل الدين. لكن الخطر في قلب ذلك العالم أو العابد:

إذا وجد لذّة في هذا الجاه، واستطاب سماع المدح، وصار يأنس بالموقع أكثر من أنسه بالعبادة الخفية، فتدريجيًا: تستثقل نفسه خشونة المواظبة على العبادة، وتستسهل ترك بعض الطاعات أو واجبات النصيحة، فيظن أنه «يعيش بالله وبعبادته»، بينما حياته الحقيقية صارت بهذه الشهوة الخفية.

وفي داخله: يرى نفسه مخلصًا، مجتنبًا للمعاصي، لكن النفس قد أبطنت: تزيين العبادة للناس، والتصنّع لهم، والفرح بالمنزلة والوقار في قلوبهم.

هذه هي «الشهوة الخفية» التي حذّر منها النبي صلى الله عليه وآله؛ لأنها تخدع صاحبها وهو يظن أنه في أوج الإخلاص.

 

كيف نواجه حب الجاه عمليًا؟

بعض الخطوات العملية: مراقبة النيّة باستمرار عند كل عملٍ يُرى: صلاة جماعة، درس، خطبة، منشور…

يسأل نفسه: لو لم يرني أحد، هل كنت سأفعله هكذا؟

الهروب من مواضع المدح قدر الإمكان

لا يفرح بالتصدّر، لا يطلب أن يُعرَف، يكره أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه، إلا ما اضطرّ إليه تكليفًا.

التقليل من إظهار الخصال الحميدة

لا يتحدّث عن قيام الليل أو الصيام أو الصدقات، يُخفي أعماله ما استطاع، فإن اضطُرّ لذكر شيء لمصلحةٍ شرعية، راقب قلبه مراقبةً شديدة.

تذكّر أن الجاه امتحان

لا نعمةٌ مريحة، إن جاءه حبّ الناس من غير طلبٍ منه، عرف أنه ابتلاء، وسأل الله السلامة من شرّه، واستحضر دائمًا أنّ رضا الله أهمّ من رضا الخلق.

 

وفي الختام حب الجاه ينبت النفاق:

لأنّه يُجبر الإنسان على أن يعيش للعين التي تراه، لا للعين التي لا تنام. من أراد سلامة قلبه، فليجعل همّه الأكبر أن يكون:

مجهولًا عند الناس إن لزم، معروفًا عند الله، رضيًّا عند رسول الله وأهل البيت عليهم السلام، ولو لم يُصفّق له أحدٌ في هذه الدنيا.

 

مواضيع مشابهة

محطات تربوية -27- آفة التكبر بالمال والجاه

بركات التواضع