قناة المعارف الفضائية | سراج العلم والفضيلة
فهرس: الشموس الطالعة
آخر برامج من: الشيخ حسين الكوراني (ره)
آخر برامج في قناة المعارف الفضائية

في رحاب أنيس النفوس الإمام الرضا ع – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله

ذكرى ولادة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام مناسبة للتأمل في تفاصيل سلوكه اليومي؛ كيف كان يأكل؟ كيف يعامل خدمه؟ كيف يحيي الليل؟ وكيف يتعامل مع المؤمن حيًّا وميتًا؟ هذه التفاصيل تكشف عن صورة عملية للدين، لا عن شعارات عامة فقط.

 

تواضعه مع الخدم والضعفاء

من أبرز ما رُوي عنه عليه السلام في آدابه مع الناس أنه: إذا جلس إلى مائدةٍ خالية من الضيوف، دعا مماليكه والبوّاب والسائس (الذي يقود الدابة) ليأكلوا معه.

لم يكن يقبل أن تكون هناك مائدة «للسادة» وأخرى «للخدم»؛ فالكل عباد الله، والميزان عنده هو التقوى، لا اللون ولا الوظيفة ولا المال: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم».

هذا السلوك يفضح في داخلنا أي شعور بالتفوّق الطبقي: من يستصغر الخادمة أو العامل، من يرى نفسه أعلى من السائق أو الموظف، سيصعب عليه أن يتواضع حقًا لزوجته وأولاده والناس جميعًا؛ فالتواضع والتكبّر حالة واحدة في النفس تظهر هنا وهناك.

 

عبادته بالليل وصيامه في النهار

كان الإمام الرضا: قليل النوم بالليل، كثير السهر في طاعة الله، يحيي أكثر لياليه من أولها إلى الصبح.

بينما تحوّل السهر عند كثيرين اليوم إلى: سهر على الترفيه، والأفلام، والهواتف، ونوم قبل الظهر بقليل، حتى صارت هذه الثقافة علامة تحضّر زائفة، مع أنها من آثار الغزو الثقافي، لا من سيرة المعصومين.

من أراد تصحيح هذا المسار: لا يستطيع الانتقال فجأة من السهر المُفرِط إلى نومٍ مبكّر من غير تدرّج، بل يبدأ بالحدّ من السهر شيئًا فشيئًا، ويستعين على ذلك بأن يقضي صلاة الليل نهارًا؛ حتى لو بقي سنوات يصلّيها قضاءً، فثواب القضاء – بحسب الروايات – كأصل الأداء.

وكان عليه السلام كثير الصيام؛ لا يترك صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ويقول: «صيام ثلاثة أيام من الشهر صيام الدهر».

هذه الثلاثة: تقوّي اليقين بالآخرة، وتخفّف التعلّق بالدنيا، وتصلح كثيرًا من اعوجاج النفس بسلاحٍ بسيط: قليل من الجوع لله.

 

كرمه وإطعامه للفقراء

من عادته عليه السلام إذا جلس على المائدة أن: تُوضَع إلى جانبه صحفة (إناء)، فيأخذ من أطيب ما على المائدة شيئًا فشيئًا، ثم يأمر بإرساله إلى المساكين.

بعد ذلك يتلو قوله تعالى: «فلا اقتحم العقبة»، ثم يشرح: إنّ الله سبحانه علم أن ليس كل إنسان يقدر على عتق رقبة، ففتح لهم باب الجنة بإطعام الطعام؛ فكل مؤمن يستطيع أن يطعم فقيرًا.

الدرس: الصدقة ليست من الفتات، بل من أطيب ما عندنا، وإطعام الطعام باب بديل عن العتق لمن لم يقدر عليه، والكرم الحقيقي أن نتذكّر الفقراء ونحن نأكل، لا أن نتذكّرهم في بقايا الأطباق.

 

حضوره مع المؤمن حيًّا وميتًا

رُوي عن موسى بن سيّار: كان مع الإمام الرضا حين أشرف على أسوار طوس، فسمعا صوت امرأة تندب ميتًا، فتتبعاه حتى وصلا إلى جنازة.

نزل الإمام عن فرسه، وتقدّم إلى الجنازة، وبدأ يدور حولها كما تدور السخلة حول أمّها، ثم قال لموسى: «يا موسى بن سيار، من شيّع جنازة وليٍّ من أوليائنا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه».

وعندما وُضع الميت عند القبر: أبعد الناس عن الجنازة، وضع يده على صدر الميت، وقال له: «يا فلان بن فلان، أبشر بالجنة، فلا خوف عليك بعد هذه الساعة».

هذا المشهد يعلّمنا:

أهمية تشييع المؤمن؛ فهو مشاركة في احتفالٍ ملائكيّ على الأرض.

أن الإمام حيٌّ في أمّته، حاضرٌ في مفاصل حياتهم وموتهم.

أن رضا الإمام بالمؤمن لا يُقدَّر بثمن؛ «هنيئًا لمن رضي عنه إمام زمانه».

 

عرض الأعمال على الأئمة

عندما سأل موسى بن سيّار الإمام: هل تعرف هذا الرجل؟ فهذه أرض لم تطأها من قبل، أجابه: «يا موسى، أما علمت أنّا معاشر الأئمة تُعرَض علينا أعمال شيعتنا صباحًا ومساءً؟».

ثم بيّن: ما كان من تقصير في أعمالهم، يسألون الله الصفحة لصاحبه، وما كان من علوٍّ واستكبارٍ على حكم الله، يسألون الله الشكر لصاحبه إن تاب ورجع.

إن عاش المؤمن مع هذا المعنى: أن كل غيبة، وكل كلمة قسوة، وكل ظلمٍ في البيت أو العمل، وكل دمعة، وكل صدقة، وكل عمل خفيّ، تُعرَض على إمام زمانه؛ فإن إحساسه بالمراقبة يتضاعف، لا خوفًا فقط، بل حياءً من إمامٍ رؤوف يدعو له كلّ يوم.

 

من كرامات الإمام الرضا عليه السلام

من الكرامات المنقولة عن الإمام الرضا: شفاء أبي النصر المؤذّن

أصيب بعِلّةٍ شديدة أثقلت لسانه حتى عجز عن النطق، فخطر بباله أن يزور الإمام الرضا ويتشفّع به إلى الله.

دخل المشهد، صلّى ركعتين عند رأسه، وسجد يدعو.

غلبه النوم في السجود، فرأى في المنام القبر ينفرج، ويخرج رجل أسمر شديد الأدمة، يقول له: «يا أبا النصر، قل لا إله إلا الله».

أشار إليه أنه لا يستطيع النطق، فصاح به: «أتُنكر قدرة الله؟ قل لا إله إلا الله».

فنطق بها في المنام، واستيقظ ولسانه مطلق، يلهج بلا إله إلا الله، ولم يعد يشكو من تلك العِلّة.

الدرس: لا يجوز أن ننكر في قلوبنا قدرة الله على الشفاء وتغيير الحال، والشفاء الحقيقي يبدأ من إيمان لا يحدّ قدرة الله بحالٍ معيّن.

الرجل الذي صلّى ثلاثين سنة صلاة الليل عند بابه

رجل كان يصلّي صلاة الليل ثلاثين سنة عند باب حرم الإمام، في الشتاء والثلج، قبل فتح الأبواب.

مرض مرضًا شديدًا، فتوسّل بالإمام أن يشفيه: «يا سيدي، ثلاثين سنة أصلي عند بابك».

رأى الإمام في اليقظة يأخذ بيده وردةً ويعطيه إيّاها، فشُفي، وصارت يده تشفي المرضى إذا وضعها عليهم.

لكن بعد مدّة قال: إنّ هذه الخاصية ضعفت بسبب مصافحتي لأهل المعاصي بكثرة؛ حتى أصبح لا يشفي المريض إلا إذا فرك يده عليه كثيرًا.

الدرس: الذنوب لا تُبطل الثواب فقط، بل تمحو بركاتٍ خفيّة قد لا نعلمها، حتى مصافحة أهل المعصية – مع التعلّق بواقعهم – تترك أثرًا روحيًا، فكيف بارتكاب المعاصي نفسها؟

 

خاتمة

سيرة الإمام الرضا عليه السلام ليست حكاية سلوكية للتأمل فحسب، بل: برنامج عمليّ لتصحيح علاقتنا بالخدم والضعفاء، ولتنظيم سهرنا ونومنا وعبادتنا، ولتعلّم الكرم في الطعام، ولإحياء معنى تشييع المؤمن، وللشعور اليومي بأن أعمالنا تُعرَض على إمامنا، وللإيمان بأن قدرة الله لا يحدّها مرضٌ ولا ظرف.

 

مواضيع مشابهة