الحكمة وفصل الخطاب – د. الشيخ أحمد الوائلي رحمه الله
قال الله تعالى في وصف نبيّه داوود عليه السلام: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾.
تجمع هذه الآية بين قوة الحكم، ورجاحة المعرفة، ودقة البيان؛ فلا تعرض داوود عليه السلام بوصفه صاحب سلطانٍ فحسب، بل نبيًّا مؤيدًا من الله، تضبط الحكمة سلطانه، ويجري الحق على لسانه. ومن هذا الاقتران تتضح صورة القيادة التي يريدها القرآن: قوةٌ لا تنفصل عن العدل، وعلمٌ لا ينفصل عن حسن التقدير، وكلمةٌ تعرف موضعها وأثرها.
القرآن وتصحيح صورة الأنبياء
لا تُقرأ الأوصاف القرآنية للأنبياء باعتبارها ثناءً مجرّدًا، بل بوصفها أيضًا تصحيحًا لما يُنسب إليهم من تصوراتٍ لا تنسجم مع مقام الرسالة. فقد تناولت بعض الكتابات الدينية والجدلية شخصيات الأنبياء بلغةٍ تنتقص من طهرهم وحكمتهم، واختزلت رسالاتهم في صراعات السلطة والشهوات والمصالح. وفي بعض الكتابات المسيئة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، جرى اختزال دعوته في صورة رجلٍ جاء من الصحراء لينشر العنف، مع إغفال مضمون رسالته الأخلاقي والإنساني.
ولا يصح تعميم هذه اللغة على جميع أتباع الديانات أو الباحثين فيها؛ فموضع النقد هو القول المسيء ومنهجه، لا الهوية الدينية لصاحبه. كما أن مناقشة الروايات والنصوص شيء، واستعمال الألفاظ النابية والطعن المتعمد شيء آخر؛ فالبحث العلمي يحتاج إلى الدليل والإنصاف، لا إلى التشهير.
وفي مقابل هذه الصور، يقدّم القرآن أنبياء الله بوصفهم حملة هداية ومسؤولية. وعندما يصف داوود بالحكمة وفصل الخطاب، فإنه يوجّه النظر إلى الصفات التي ينبغي أن تُفهم شخصيته من خلالها، ويعلّمنا الأدب في الحديث عمّن اختارهم الله لتبليغ رسالته.
وقد يُقال: أليست الحكمة من لوازم النبوّة، فما الحاجة إلى التصريح بها؟ لكن ذكر الصفة البديهية قد تكون له ضرورة حين تتعرض صورة صاحبها للتشويه؛ إذ يصبح تأكيدها تثبيتًا للميزان الذي ينبغي أن تُعرض عليه الأخبار والتصورات، لا تكرارًا لما هو معلوم فحسب.
قوة الملك حين تضبطها الحكمة
تشير عبارة ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ إلى التأييد والتثبيت والقوة. غير أن الآية لا تترك هذه القوة منفردة، بل تصلها بالحكمة وفصل الخطاب، وكأنها تنبّه إلى أن رسوخ الحكم لا يكفي وحده للدلالة على صلاحه.
فقد يشتد سلطان حاكم بالقهر، وتتسع دولته بالخوف، ويكثر المادحون حوله، من دون أن يكون ذلك شاهدًا على عدله. إن القدرة على إخضاع الناس تختلف عن القدرة على إنصافهم، كما أن البقاء في الحكم لا يساوي استحقاقه الأخلاقي.
أما في النموذج الذي تعرضه الآية، فالقوة وسيلة لإقامة الحق، وليست غاية مستقلة. والحكمة هي التي تمنع السلطان من أن يتحول إلى طغيان، وتمنح القرار وجهته الصحيحة. ومن هنا لا يكون السؤال عن الحاكم: كم امتلك من القوة؟ بل: بماذا حكم، وكيف استعمل ما امتلك؟
الحكمة: إصابة الحق وحسن التقدير
ذُكرت للحكمة معانٍ متقاربة؛ منها النبوّة، ومنها إصابة الحق، ومنها الاتزان في القول ووضع الكلام في موضعه. وهذه المعاني لا تتباعد في نتيجتها؛ فالحكمة ليست كثرة معلومات، ولا براعةً في الجدل، بل معرفةٌ تقود إلى الحكم السليم والعمل المناسب.
قد يعرف الإنسان وجوهًا كثيرة للمسألة، ثم يعجز عن تقدير ما ينبغي فعله. وقد يمتلك حجةً صحيحة، لكنه يعرضها بأسلوبٍ ينفّر منها. أما الحكيم فيجمع بين صحة الفهم وحسن التصرف، فلا يتكلم قبل التبيّن، ولا يجعل انفعاله بديلًا عن الدليل.
وتظهر أهمية ذلك في القضاء خاصة؛ لأن الحكم يتعلق بحقوق الناس وكراماتهم. ومسألة اعتماد القاضي على علمه من المسائل الفقهية التي تحتاج إلى تفصيل، لكن المعنى التربوي
الواضح أن الثقة بالرأي لا تُغني عن الضوابط، وأن الوصول إلى الحق لا يبرر إهمال الطريق العادل في إثباته.
فصل الخطاب: البيان الذي يكشف الحق
ليس فصل الخطاب مجرد فصاحةٍ تثير إعجاب السامعين، بل قدرةٌ على إيضاح موضع النزاع، وتمييز الحق من الباطل، والتعبير عنه بما يرفع الالتباس. فالكلام قد يكون جميلًا لكنه غامض، وقد يكون قويًّا لكنه مضلل؛ أما البيان الحكيم فيجمع الوضوح والدقة والأثر.
وتبرز هنا صلة اللفظ بالمسؤولية. فصاحب فصل الخطاب لا يكدّس الكلمات، ولا يستعيض بارتفاع الصوت عن قوة الحجة، بل يختار من القول ما يؤدي المعنى ويبلغ بالمتلقي إلى فهمه. وليست البلاغة في هذا المقام زينةً خارجية، وإنما خدمةٌ للحقيقة.
ومن هذا الباب يُنظر إلى بيان أمير المؤمنين عليه السلام، وإلى ما جمعه الشريف الرضي من كلامه في «نهج البلاغة». فقيمة هذا التراث لا تنحصر في جمال عبارته، بل تشمل ما يفتحه من آفاق في التوحيد والعدل وتربية النفس وسياسة المجتمع. وأما البحث في نسبة نصوصه، فطريقه التحقيق في المصادر والشواهد، لا القبول أو الرفض المجردان.
الكلمة الحكيمة مسؤولية
تردّنا الآية، في النهاية، إلى ميزانٍ نحتاجه في حياتنا كلها: ليست القوة كمالًا إن لم تضبطها الحكمة، وليست المعرفة نافعةً إن لم تُحسن توجيهها، وليست البلاغة فضيلةً إن استُعملت لستر الباطل.
وحين نتأمل في داوود عليه السلام وقد أوتي الملك والحكمة وفصل الخطاب، نتعلم أن القيادة الحقة تجمع بين القدرة والعدل والبيان. كما نتعلم أن احترام مقام الأنبياء لا يعفينا من البحث، بل يلزمنا أن يكون بحثنا أدقّ، ولغتنا أنزه، وأحكامنا أبعد عن الهوى.
فالحكمة أن نعرف الحق ونلتزم مقتضاه، وفصل الخطاب أن نحسن التعبير عنه؛ وعند اجتماعهما تصبح الكلمة وسيلة هداية، لا أداة خصومة، ويصبح السلطان أمانةً لخدمة الإنسان، لا امتيازًا للتسلط عليه.

