على أعتاب الإمام الجواد ع (1) – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله
الإمام محمد بن علي الجواد عليه السلام، باب المراد، من أبرز شموس أهل البيت عليهم السلام. وُلد في المدينة المنوّرة سنة 195هـ، واستشهد في بغداد سنة 220هـ، فعاش نحو خمسٍ وعشرين سنة فقط، وكانت إمامته منذ السابعة من عمره، بنصٍّ من أبيه الإمام الرضا عليه السلام.
في شهر الولادة قولان معروفان بين العلماء:
منهم من قال برجب، مستندًا إلى دعاء رجب: «اللهم إني أسألك بالمولودين في رجب: محمد بن علي الثاني وابنه علي بن محمد المنتجب»؛ والمقصود بمحمد بن علي الثاني هو الجواد عليه السلام. ومنهم من قال بشهر رمضان، مع اختلاف في اليوم، وأشهر الأقوال عند هؤلاء أنه وُلد في النصف من رمضان، كما نصّ الشيخ المفيد.
الشبه بالأنبياء ودلالة الإمامة في الصغر وطول العمر
نُقل عن الإمام الرضا عليه السلام أن في ولده الجواد شبهًا من ثلاثة أنبياء: موسى، وعيسى، ويحيى عليهم السلام.
وجه الشبه بعيسى ويحيى عليهما السلام هو تحمّل مقام النبوّة أو الإمامة في سنٍّ مبكّرة؛ فالإمام الجواد تولّى الإمامة وهو ابن سبع سنين وأشهُر، والنبي عيسى تكلّم في المهد وقال: «إني عبد الله… وجعلني نبيًا»، والنبي يحيى «آتاه الله الحكم صبيًا». هذا يثبت إمكان أن يكون الإمام المهدي عجل الله فرجه إمامًا وهو طفل؛ فالإمامة ليست مرتبطة بطول التجربة الدنيوية بل بالاصطفاء الإلهي.
والقرآن يصرّح بأن عيسى لم يُقتل ولم يُصلب، بل «رفعه الله إليه»، أي نُقل حيًّا إلى عالمٍ آخر، وبقي منذ أكثر من ألفي سنة. فإذا جاز بقاء نبيٍّ هذا العمر الطويل، لم يعد مستغربًا بقاء إمامٍ أقلّ منه عمرًا؛ وعمر الإمام المهدي يكون امتدادًا لسنّةٍ قديمة لا حالةً شاذّة.
وسيرة الإمام الجواد مليئة بالمعاجز المبكّرة؛ من ذلك ما رُوي عن رجلٍ فقد بصره، فسأل الإمام الرضا عليه السلام الدعاء، فحوّله إلى ابنه الجواد وهو في نحو الثانية من عمره، فردّ الله عليه بصره، فقال الرجل: «فطرسيّة والله»، تشبيهًا بما جرى للملك فطرس حين تمسّح بمهد الحسين عليه السلام فشفي.
هذه اللقطات تكشف أنّ السنّ الصغيرة لا تمنع من ظهور الحجّة إذا كان هناك نصٌّ من الإمام السابق وكرامات تؤيّد هذا النص.
أمّ الإمام الجواد: خيرة الإماء وطيبة الفم
المصادر تذكر لأمّ الإمام الجواد عدّة أسماء: دُرّة، خيزران، سَبيكة، ريحانة، وتكنّى بأمّ الحسن، وتجمع على أنّها نوبية من أهل بيت مارية القبطية أمّ إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآله؛ أي أنّ أصلها من النوبة في الحبشة، ومن بيتٍ قريبٍ من بيت النبي عبر مارية.
تعدّد الأسماء له جانب أمني؛ فالأئمة كانوا تحت رقابة شديدة من الأمويين ثم العباسيين، وكان هؤلاء يترصّدون أيّ خيط يدلّ على استمرار نسل الأئمة، وخصوصًا في الأزمنة المتأخرة حيث يعرفون من الروايات أنّ مولودًا من هذا النسل سيكون سببًا في سقوط أنظمة الجور، فكان من الحكمة أحيانًا إخفاء هويّة الأمهات أو تنويع أسمائهن.
أهمّ ما وصلنا عنها قول النبي صلى الله عليه وآله:
«بأبي ابنُ خِيَرةِ الإماءِ النوبيةِ، الطيّبةِ الفم، المنتجَبةِ الرحم».
«خِيَرة الإماء» تعني أنّها مختارة من بين الإماء.
«الطيّبة الفم» لا يُقصد بها مجرّد حسن الشكل، بل أن يكون فمها طاهرًا: لا غيبة ولا نميمة ولا أذى للناس، بل ذكرٌ لله وكلمة طيبة؛ فصار فمها طاهرًا عند الله.
«المنتجبة الرحم» تعني أنّ رحمها اصطفاه الله ليكون وعاءً لإمامٍ معصوم؛ وهذا الاصطفاء ثمرة عبادة صادقة ومراقبة للنفس وطهارة في الباطن، لا قرارًا عشوائيًا.
إذا قارن الإنسان بين:
بيتٍ لا يخرج من أفواه أهله إلا الغيبة والشتيمة والاستهزاء،
وبيتٍ لا يخرج من أفواه أهله إلا السلام والذكر واللطف،
فَهِمَ شيئًا من معنى «طيّبة الفم»، ومن لماذا صار رحم هذه المرأة وعاءً للإمام الجواد.
لماذا نتعرّف إلى أمّهات الأئمة؟
العلاقة بأمّهات الأئمة – غير الزهراء عليها السلام التي لها مقامٌ خاص – جزءٌ من معرفة أهل البيت أنفسهم:
نتعلّم من عبادتهنّ وتزكيتهنّ كيف يصلن إلى درجة أن يجعلهنّ الله أمّهاتٍ للمعصومين؛
ونتعلّم كيف يكون البيت الصالح مهيّأً لولادة الصالحين؛
ونستفيد من هذه المعرفة في باب التوسّل أيضًا:
إذا أحببت الإمام، وزرت أمَّه، وأهديت لها عملًا صالحًا، رجوت أن تقول لولدها: «يا بني، هذا من محبّيك»، فيكون ذلك سببًا زائدًا لاهتمامه بحاجتك، لأنه يبرّ أمَّه ويقضي حاجات مَن تُحبّهم.
وفي الختام:
بهذا تصبح سيرة الإمام الجواد وأمّه النوبية الطاهرة درسًا عمليًا: في إمكان إمامة الصغير وطول عمر الحجة، وفي أنّ الكرامة عند الله بالتقوى لا بالعرق واللون، وفي أنّ تهذيب اللسان والبيت قد يكون من أعظم أسباب بركات الذرية والقرب من أهل البيت.

