دروس وعبر من واقعة كربلاء – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله
يعلّمنا نصّ الزيارة كيف يخاطب الموالي الصادق سيدَ الشهداء عليه السلام: «لبيكَ داعيَ الله إن كانَ لم يُجِبكَ بدني عند استغاثتِكَ… فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري».
هذه الكلمات تختصر حقيقة الولاية؛ فربّ إنسان لم يحضر كربلاء بجسده، ولم يُتَح له أن يجيب نداء الحسين عليه السلام يوم العاشر، لكن قلبه وسمعه وبصره اليوم تهتف: يا أبا عبد الله، نحن معك، قلوبنا معك، ومواقفنا معك، وخياراتنا في الحياة امتداد لمشروعك.
الموالي الصادق لا يكتفي بحبّ عاطفي مجرّد، بل يحوّل هذا الحبّ إلى التزامٍ عملي، فيكون سمعه وبصره وقلبه في خدمة طريق الحسين ومبادئه.
القلب المربَّد والخوف من سوء العاقبة
في مقابل هذا الموالي الصادق، هناك إنسان آخر يصف نفسه بأنه:
«عبد آبق، سودت وجهه الذنوب، واربّد قلبه من المعاصي، وخدعته الدنيا بغرورها».
هذا الإنسان يرى جموع الزائرين تتوافد إلى سيد الشهداء بأعدادٍ كبيرة، فيخاف أن يكون ممن يلهج باسم الحسين عليه السلام، لكن لا يُسمَح له في الآخرة أن يصل إليه، فيُفرَّق بينه وبين أحباء الله وأوليائه، ويُجمَع ـ والعياذ بالله ـ مع أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء أهل البيت عليهم السلام.
الخطر هنا ليس في قلّة الزيارة أو كثرتها، بل في أن يخدع الإنسانَ «غرور الدنيا»، فيعيش ظاهرًا مع أهل الإيمان، وباطنًا مع أهل الهوى، فيخاف «سوء العاقبة وسوء المنقلب وبئس المصير».
هذا الخوف الإيجابي يمكن أن يكون بداية النجاة إذا دفع الإنسان لمراجعة نفسه وتوبته، لا إلى اليأس والقنوط.
القمة التي هوت إلى القاع: عزرة بن قيس نموذجًا
من أبلغ دروس كربلاء درس «القمة التي هوت إلى القاع»، والمثال البارز عليه رجل اسمه «عَزْرَة بن قيس».
يظهر اسم عزرة بن قيس في طليعة من كتبوا الرسالة الشهيرة من الكوفة إلى الإمام الحسين عليه السلام: «إنما تقدم على جندٍ لك مجندة، وقد اخضر الجناب، وأينعت الثمار…». كان اسمه الرابع في قائمة الموقّعين الذين استدعَوا الحسين إلى الكوفة.
لكن هذا الرجل نفسه تحوّل لاحقًا إلى:
قائد الخيالة في جيش عمر بن سعد يوم عاشوراء.
أحد ثلاثة تعجّلوا بحمل رؤوس الشهداء من كربلاء إلى الكوفة، لتعجيل «البشارة» لابن زياد بقتل الحسين وأصحابه.
أيُّ سقوطٍ أعظم من هذا؟ من مبايِعٍ كاتب يدعو الإمام، إلى قائدٍ في جيش قاتليه، إلى حاملٍ لرأسه الشريف! إنها عاقبة الذنوب والتساهل في حدود الله، حتى يصل الإنسان إلى أن يكون أداةً بيد الطغاة.
ومع ذلك كان عزرة يرى نفسه من «شيعة أهل البيت»، ويحسب أنه شيخ من شيوخ الكوفة ووجوهها. حين واجه حبيبَ بن مظاهر وزهيرَ بن القين في عصر تاسوعاء، خاطبه زهير بقلب ناصح: «فاتقِ الله يا عزرة فإني لك من الناصحين… أن تكون ممّن يعين الضلال على قتل النفوس الزكية».
لكن قلب عزرة كان قد «اربدّ» من الذنوب، فغلبه العناد، وسار في طريق سوء العاقبة إلى النهاية.
التحوّل الإيجابي: من البُعد إلى القرب في قصة زهير بن القين
في مقابل هذا الانهيار، تبرز قصةٌ مضيئة: تحوّل زهير بن القين من حالة التردّد والبعد إلى مقام الشهادة بين يدي الحسين عليه السلام.
كان الطريق قد جمع بينه وبين الإمام في السفر، لكنه كان يتجنّب اللقاء، حتى دخل رسول الحسين عليه السلام على القوم وزهير يأكل مع أصحابه، «فكأنما على رؤوسهم الطير»، تهيّبًا من الدعوة.
زوجته المؤمنة قالت له ما مضمونه: ابن بنت رسول الله يدعوك ولا تجيبه؟ فذهب إلى الإمام. هناك ذكّره الحسين عليه السلام بما جرى في فتح «بلنجر» وبكلام سلمان الفارسي يومها: إن أدركتم فتيان آل محمد فكونوا بنصرهم أشدّ فرحًا من فرحكم اليوم بالنصر العسكري.
بهذه الذكرى الصادقة، استيقظ الرصيد الإيماني في قلب زهير، فتحوّل تحوّلًا جذريًّا؛ رجع إلى خيمته، طلَّق الدنيا، وطلب من زوجته أن تلحق بأهلها لئلا يصيبها مكروه بسببه، واختار أن يكون في حزب الحسين عليه السلام، «وأن يجعل نفسه دون نفسه حفظًا لما ضيّع الناس من حقّ الله وحقّ رسوله».
هكذا نرى أن الإنسان قد يكون بعيدًا، لكن ما دام في قلبه بقية نور، وفي رصيده صدقٌ سابق، يمكن أن يتحوّل في لحظة إلى نصير للحسين ومشروعه.
من سبب السقوط إلى قانون العاقبة
ما الذي جعل عزرة وأمثاله يسقطون هذا السقوط المروّع؟ الجواب أجابت عنه السيدة زينب سلام الله عليها حين قرأت الآية:
﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
لا أحد مستثنى من هذا القانون الإلهي: «ظهر الفساد في البرِّ والبحر بما كسبت أيدي الناس». الذنوب لها آثار مدمّرة:
تحبس الدعاء، وتمنع استجابة التضرّع.
تغيّر النِّعم إلى نقَم.
تنزل البلاءات على الفرد والمجتمع.
والأخطر: تظلم القلب وتمسخه؛ حتى «يُمسخ الإنسان ويصبح حيوانًا في شكل إنسان»، والعياذ بالله.
هذا المسخ الباطني هو الذي يجعل الإنسان يستهين بدماء أولياء الله، فيُقدِم على جرائم لو قيلت له من قبل ربما استغربها، لكنه يصل إلى نقطة لا يرى فيها الحقّ حقًّا، ولا الباطل باطلًا.
لذلك شدّد أهل البيت عليهم السلام على التوازن بين الخوف والرجاء:
لا اليأس من رحمة الله جائز، فهو من الكبائر.
ولا الأمن من مكر الله وعذابه جائز، فهو أيضًا من الكبائر.
المطلوب قلبٌ خائف من سوء العاقبة، راجٍ لرحمة الله، عامِلٌ بجدّ في طاعة الله.
طريق العصمة من السقوط: الالتزام بالحكم الشرعي
بعد كل هذه القصص والعِبر، ما هو الطريق العملي حتى لا يكون الإنسان مثل عزرة بن قيس، بل يكون مثل حبيب وزهير وأبي الفضل وأصحاب الحسين؟
الجواب واضح: «العاصمة منه هو الالتزام بالحكم الشرعي».
هذه الأحكام التي في الرسالة العملية ـ حلال، حرام، واجب، مستحب، مكروه، ومباح ـ ليست تفاصيل ثانوية، بل هي خريطة النجاة؛ هي الطريق ولا طريق غيره.
الحسين عليه السلام استُشهِد ليبقى هذا الطريق حيًّا؛ ليبقى المعروف معروفًا والمنكر منكرًا، ولئلا يُمسَخ الدين في أيدي الطغاة. عندما نلتزم نحن بهذه الأحكام في حياتنا اليومية:
في الصلاة والعبادات.
في تجاراتنا ومعاملاتنا.
في نظافة ألسنتنا من الغيبة والكذب والأذى.
في علاقاتنا الأسرية والاجتماعية.
نكون عمليًّا نقول للحسين: «لبيك داعي الله»، ونجعل قلوبنا وأسماعنا وأبصارنا مجنّدة في مشروعه.
خاتمة: بين وراثة الأنبياء وخطر الغفلة
الحسين عليه السلام هو «وارث الأنبياء»، وكل من يقف في خطّه يشترك مع أولي العزم في معركتهم ضد الباطل.
لكن هذه الكرامة العظيمة تحتاج إلى يقظة دائمة، حتى لا نكون ممّن «خدعتهم الدنيا بغرورها»، فينتهون إلى بئس المصير، كما انتهى عزرة بن قيس، من مكاتبٍ للحسين إلى حاملٍ لرأسه.

