اللهم اجعلني عندك وجيهاً بالحسين ع – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله
كربلاء ليست ذكرى تُستحضر عشرة أيّام ثم تُطوى، بل ميزانٌ تُوزَن به حياتنا كلّها: كيف نحزن، وكيف نفرح، كيف نُربّي أبناءنا، وكيف نُقيم مجالسنا، وكيف نحمل همّ المسلمين. في هذا المقطع من «نسيم كربلاء»، يرسم الخطيب برنامجًا عمليًا لأواخر ذي الحجّة وبداية محرّم، حيث يتداخل حبّ الحسين مع انتظار المهدي، ويُختبر صدقنا في الانتساب إلى مدرسة عاشوراء.
تعزية المعصومين وزيارة عاشوراء الثانية
من أفضل صيغ التعزية لرسول الله وأهل البيت ما ورد في زيارة عاشوراء الثانية:
«السلام عليك يا رسول الله… أحسن الله لك العزاء في ولدك الحسين»،
«السلام عليك يا أبا الحسن يا أمير المؤمنين… أحسن الله لك العزاء في ولدك الحسين»،
«السلام عليك يا فاطمة يا بنت رسول ربّ العالمين… أحسن الله لك العزاء في ولدك الحسين»،
ثم السلام على الحسن، والمؤمنين والمؤمنات الأحياء والأموات.
بهذه الصيغة نربط مصابنا اليوم بمصابهم، ونعترف أن عزاءنا امتداد لعزاء رسول الله والزهراء، لا مجرّد حزنٍ فردي.
«فلأنْدُبَنّك صباحًا ومساءً…»:
الإمام المهدي عجل الله فرجه يخاطب جدّه الحسين:
«فلئن أخّرَتْني الدهورُ وعاقني عن نصرك المقدورُ… فلأندبَنَّك صباحًا ومساءً، ولأبكيَنَّ عليك بدل الدموع دمًا، حسرةً عليك وتأسّفًا على ما دهاك… حتى أموت بلوعة المصاب وغصّة الاكتئاب».
واجبات المرحلة: شكر، واهتمام، وحداد، ومجالس
سلسلة واجبات لمن يريد أن يكون «حسينيًا» بحق فعليه سلسلة من الواجبات
شكر نعمة الارتباط بالحسين:
أن يشكر الله على ارتفاع مستوى علاقته بالحسين؛ فهذه النعمة أغلى من الجنّة نفسها، لأنها من صميم رضوان الله، ورضوان الله أكبر من كل نعيم. شكرها يكون:
بالحرص على طاعة الله، والوفاء لدماء المجاهدين، و«صلاة الشكر» بين الحين والآخر.
الاهتمام بأمور المسلمين والمستضعفين:
«من أصبح لا يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم أو فليس منهم». من كان حسينيًا لا يمكن أن يعيش منعزلاً عن آلام المستضعفين؛ أقلّ الإيمان أن:
يتابع الأخبار، يفهم ما يجري، يدعو للمظلومين؛ فالدعاء «أقوى الأسلحة»، وربّما يكون نصرٌ في ساحة جهاد ثمرة دعوة صادقة من مؤمنٍ مجهول.
تقوية العلاقة بالمجاهدين:
بالمعرفة، وقراءة الوصايا، والدعاء الدائم لهم ولعوائلهم؛ فالاهتمام بعوائل الشهداء والجرحى والأسرى من صميم العلاقة بالحسين. الإمام السجاد في دعائه لأهل الثغور يركّز على أن يخلف الله المجاهد في أهله بخير.
إبراز مظاهر الحداد لعاشوراء:
على الأقل حتى الثالث عشر من محرّم. يذكر مثالاً من طفولته: الأمهات يغسلن الملاءات قبل العشرة لأن نشر شرشف أبيض على حبل الغسيل في أيام الحداد كان يُعدّ منافياً للأدب. كما لو مات عزيز عند الجيران، لا نعلّق الزينة أمام بيتهم أيام عزائهم.
تعليم الأولاد هذه التفاصيل يرسّخ فيهم احترام الحزن المقدّس، ويؤثّر في مستقبلهم.
الحياء في اللباس والتربية:
الحذر من الجمع بين تعويد الأطفال على السواد وبين «ثياب غلط» في نفس الوقت: بناتٍ بسبع أو ثمان سنوات بلباسٍ لا ينسجم مع الحياء، بحجّة «صغيرة وما عليها واجب». يذكّر أن تربية الأولاد على عدم الحياء تتعارض مع ثقافة كربلاء وزينب؛ فمن أراد علاقة قويّة مع زينب لا يربّي أبناءه على ما تكرهه، مما يكرهه الله.
كثرة حضور مجالس العزاء:
الحضور ليس مجرّد عادة، بل علاجٌ روحيّ: «مستشفى الإمام الحسين» كما يصفه، لأمراض الروح والنفس والعصب والجسد. كثرة الحضور تقوّي القلب، وتُبقي حرارة المصاب حيّة.
إقامة المجالس، خصوصًا في البيوت:
أن يصبح من الطبيعي أن يكون في كل حيّ بيتٌ أو أكثر يفتح أبوابه لمجلس حسيني، ولو صغيرًا: لبعض الأيام، أو بالتناوب بين البيوت، كما كان التقليد في النجف وبعض المناطق أن تنتقل المجالس من بيتٍ إلى بيت طوال اليوم.
التعامل مع المجالس كأفضل العبادات:
نيّة الحضور يجب أن تكون «قربة إلى الله»، لا مجرّد تغيير جوّ أو لقاء أصدقاء. من الأدب: أن يكون على طهارة، أن يراعي آداب الطريق (لا غيبة ولا نظرة حرام)، أن يراعي آداب البيت المضيف (لا يثقل عليه بالساعات)، وأن يحفظ حرمة المجلس حضورًا وخروجًا.
استحضار أن محرّم شهرٌ حرام
من الأشهر الحرم الأربع، حيث: السيئة أعظم أثرًا، والحسنة أعظم ثوابًا.
دخول محرّم يعني أن كل مشاركة حسينية، وكل كلمة، وكل نظرة، تُحسب بدقّة أكبر؛ فينبغي أن نضاعف مراقبتنا لأنفسنا.
وفي الختام:
إذا أردنا أن نكون من «الطالبين بثأر الحسين مع وليّه الإمام المهدي»، فلا يكفي أن نرفع الشعار ونلبس السواد؛ بل علينا أن: نشكر نعمة الحسين بزيادة الطاعة، نحمل همّ المسلمين والمجاهدين، نربّي أبناءنا على الحياء والحداد، نملأ بيوتنا ومجالسنا بذكره، ونُدخل كربلاء في برنامجنا اليومي في محرّم وصفر، وفي سائر العام.
فهكذا يُترجم نداء الإمام: «فلأندبنّك صباحًا ومساءً»، إلى سلوكٍ حيّ، لا إلى دمعةٍ عابرة.

