قناة المعارف الفضائية | سراج العلم والفضيلة
فهرس: أصفياء الرحمن
آخر برامج من: الشيخ حسين الكوراني (ره)
آخر برامج في قناة المعارف الفضائية

تعلق القلوب بالإمام الهادي ع – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله

الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام كان مركز جذبٍ روحي للناس جميعًا، ليس للشيعة وحدهم، ولا للمسلمين فقط؛ حتّى بعض المسيحيين كانوا يلجؤون إليه في الشدائد، ينذرون له النذور، ويطلبون دعاءه، لما رأوا من كراماته واستجابته عند الله. أيّ محتاج كان يشعر في قلبه أن طريق الفرج يمرّ عبر هذا الإمام.

 

شفاء المتوكل بكرامة الإمام الهادي ع:

مرض المتوكّل العباسي، فنذرت أمّه نذرًا إن شُفي أن تعطي مبلغًا من المال للإمام الهادي. شُفي المتوكّل، فأرسلت المال للإمام. وصلت الوِشاية إلى المتوكّل بأن «المال والسلاح تُجمع في بيت علي بن محمد»، فأمر بمداهمة البيت ليلًا. تسلّق الجندي البيت في الظلام، فالتبس عليه الطريق، فقال له الإمام: «مكانك حتى يأتوك بشمعة»، كاشفًا عن حضوره واطّلاعه.  فتّشوا فلم يجدوا إلا المال الذي أرسلته أمّ المتوكل وسيفًا واحدًا في بيت إمامٍ تعيش معه عائلته؛ فعاد الجندي، فعرف المتوكّل أنّ أمّه هي التي أرسلت المال، فندم، وزاد الإمام عطاءً، وردّ عليها ما أرسلته.

وفي مرّة أخرى مرض المتوكّل نفسه، فنذر هو نذرًا للإمام، بعد أن جرّب نذر أمّه ورأى أثره. هذا يكشف أنّ قلب الطاغية نفسه كان يشعر – رغم جبروته – أنّ بين يدي هذا الإمام بابًا خاصًا إلى الله.

 

مسيحيّ ينذر للإمام ع ويُستجاب له:

رجل مسيحي استدعاه المتوكّل إلى سامرّاء بسبب دينٍ عليه، وخاف على نفسه من الظلم، فخطر بباله – وهو على غير الإسلام – أن ينذر نذرًا للإمام الهادي، لِما سمعه من كراماته، فجعل نذرًا إن نجا أن يتصدّق بمبلغٍ عند الإمام. لم يكن يعرف بيت الإمام، لكن قلبه كان يقوده؛ ظلّ يسأل حتى دلّوه على بيتٍ، فلما طرق الباب خرج إليه خادم من قِبَل الإمام وقال له

من غير مقدّمات: «المبلغ الذي في كمّك نذرته»، وسمّاه باسمه، ففهم الرجل أنّ هذا هو بيت الإمام الذي نذر له.

دخل على الإمام، فقال له الإمام: «أما آن لك أن تُسلم؟» قال: لقد اقتنعت الآن. قال له الإمام: «أنت لا تُسلم، ولكن ابنك يُسلم»، وفعلاً مات الرجل على دينه، وأسلم ابنه من بعده. هكذا كانت كرامات الإمام تصل إلى غير المسلمين، فيتعلّقون به وهم على ملّتهم، ثم يكون لأولادهم نصيبٌ من الهداية.

 

حكاية ابن أرومة وسعيد الحاجب

يروي ابن أرومة – وهو من الموالين – أنه خرج إلى سامرّاء في أيام المتوكّل، فدخل على سعيد الحاجب، وكان بينهما معرفة قديمة؛ وسعيد هذا كان قد أُوكل إليه الإمام الهادي ليقتله، بأمر من المتوكّل. قال له سعيد ساخرًا: «أتحب أن ترى إلهك؟» فقال ابن أرومة: «سبحان الله، الإله لا تُدركه الأبصار»، قال: «أعني الذي تزعمون أنه إمامكم».

أخبره سعيد أنّه مأمور بقتل الإمام غدًا، وأنه إن شاء أدخله عليه قبل خروج صاحب البريد. دخل ابن أرومة، فرأى الإمام جالسًا وقبرًا يُحفر أمامه. سلّم عليه وبكى، فقال له الإمام: «ما يُبكيك؟» قال: ما أراه من القبر. فقال له الإمام: «لا تبكِ، إنهم لا يتمكّنون من ذلك؛ ما هي إلا يومٌ أو بعض يوم حتى يُسفك الله دم المتوكّل وصاحبه»، وفعلاً لم يمرّ إلا يوم حتى قُتِل المتوكّل ووزيره.

هذا يبيّن: اطّلاع الإمام على الغيب بإذن الله، وطمأنينته في مواجهة المؤامرات، وأن يد الله كانت تحرسه وتدبّر مصارع الظالمين.

 

هيبة الإمام الهادي وصفاء أخلاقه

يقول ابن شهر آشوب عن الإمام الهادي: «كان أطيب الناس بهجة، وأصدقهم لهجة، وأملحهم من قريب، وأكملهم من بعيد؛ إذا صمت علته هيبة الوقار، وإذا تكلّم سماه البهاء».

ثم يصف بيته: «من بيت الرسالة والإمامة، ومقرّ الوصية والخلافة، شعبة من دوحة النبوة، وثمرة من شجرة الرسالة». هذه الهيبة وهذا الجمال الخُلقي هو الذي جعل حتى بعض المقرّبين من البلاط العباسي يحبّونه في السرّ، كما كان علي بن يقطين – في زمن الكاظم – رأسًا في الدولة، وقلبًا مع الإمام.

 

رعاية الإمام لشؤون الناس

صلة الناس بالإمام لم تكن صلة دعاء فقط؛ كانوا يراجعونه في كل شيء: في تسمية الأولاد، في الدعاء للجنين، في قضايا السجن والديون، في المسائل المعيشية والروحانية.

الإمام لا يفصل بين «التبليغ» وهموم الناس؛ كما كان النبي صلى الله عليه وآله يهتمّ بفقيرٍ لا يجد دقيقًا، أو امرأةٍ لا تطحن، كذلك كان الأئمة يحملون همّ الفقراء والمسجونين والمظلومين.

ومن الطرائف الدالّة: رجلٌ من أهل سامرّاء أصيب بالبرص، فاستغل شهرة الإمام في قضاء الحوائج، وقرّر أن يعترضه في الطريق ويطلب منه الشفاء؛ لكن الإمام، حرصًا على ألا يُرفَع فيه تقرير بسبب مخاطبته، قال له وهو يمرّ: «تنحَّ عافاك الله، تنحَّ عافاك الله، تنحَّ عافاك الله». رجع الرجل إلى أبي هاشم الجعفري يشكو أنه لم يستطع عرض حاجته، فقال له أبو هاشم: «لقد دعا لك بثلاث دعوات؛ ستُشفى»، وفعلاً شُفي من برصه في اليوم التالي، دون أن يُضطرّ إلى كلمةٍ قد تؤذيه عند السلطة.

 

من موعاظ الإمام الهادي عليه السلام:

من كلماته الجامعة: «من أمِن مكر الله وأليمَ أخذه، تكبّر حتى يحلَّ به قضاؤه، ونافذُ أمره».

المكر الإلهي ليس ظُلمًا، بل تدبيرٌ خفيّ، كمن يأكل الطين من كفّة الميزان وهو يظنّ أنه يستفيد، بينما ينقص وزن السلعة على حسابه؛ أو كمن يذنب فيُحرم صلاة الليل، فإذا حُرمها حُرم الرزق، لأن الرزق مقرون بصلاة الليل في الروايات. من يعتاد الغيبة والعصبية والظلم ويأمن من الحساب، يغرس في نفسه بذور الكِبر، حتى يأتي يوم ينزل فيه القضاء، فيُؤخذ على حين غرّة.

ويقول عليه السلام: «من كان على بيّنةٍ من ربّه، هانت عليه مصائب الدنيا ولو قُرِّض ونُشِر».  من كان مطمئنًا أنّ الله راضٍ عنه، لا تهزّه الفقر، ولا المرض، ولا البلايا؛ أما من يقيس نفسه بالمال والجاه والشكل، لا برضا الله، فسيبقى صغيرًا ولو ملك الدنيا.

هذه اللمحات من «محراب الإمام الهادي» تُظهر:

سعة تعلّق القلوب به عند المسلمين وغير المسلمين، لطفه الخفي في قضاء الحاجات، حضوره في مواجهة الطغاة، وعمق مواعظه في تربية القلب.

من تأمّلها، وجد في قلبه ميلاً طبيعيًا لأن يجعله وسيطًا بينه وبين الله، يرجو بدعائه الشفاء لبدنه، والهداية لقلبه، وأن يُخرجه الله من مكر نفسه قبل مكر أعدائه.

 

وفي الختام:

في محراب الإمام الهادي عليه السلام نتعلّم أن الولاية ليست فكرة مجرّدة، بل حضنٌ حيّ تلجأ إليه القلوب حين تضيق، وأن الإمام الذي يخشاه المتوكّل ويقصده المسيحي، ويُشفى بلمح دعائه أبرصُ الطريق، هو نفسه الذي يحذّرنا من أخطر أمراض القلوب: الأمن من مكر الله، والغفلة عن الحساب.