قناة المعارف الفضائية | سراج العلم والفضيلة
فهرس: الشموس الطالعة
آخر برامج من: الشيخ حسين الكوراني (ره)
آخر برامج في قناة المعارف الفضائية

ملامح من سيرة الإمام الكاظم ع – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله

سيرة الإمام الكاظم عليه السلام ليست حكاية تاريخية عن إمامٍ عظيم عاش في زمنٍ بعيد، بل مرآة حادّة تكشف لنا أين نقف نحن من معنى العبودية، والإنفاق، وصلة الرحم، والتواضع، وحسن التعامل. حين ننظر إلى بيته وبيوتنا، إلى بكائه وقلّة دموعنا، نكتشف المسافة الحقيقية بين «محبّة أهل البيت» وبين الاقتداء بهم في تفاصيل اليوم والليلة.

 

ملامح عامة من سيرة الإمام الكاظم عليه السلام

الشيخ المفيد يصفه في الإرشاد بأنه «أعبد أهل زمانه، وأفقههم، وأسخاهم كفًّا، وأكرمهم نفسًا».  كان يقوم الليل نافلةً، فيصل نوافل الليل بصلاة الصبح، ثم يبقى في التعقيب حتى تطلع الشمس، ثم يسجد فلا يرفع رأسه حتى يقارب الزوال، يدعو ويمجّد، ومن دعائه: «اللهم إني أسألك الراحة عند الموت، والعفو عند الحساب»، ويكرّر هذا الدعاء، ويبكي من خشية الله حتى تبتلّ لحيته.

بيوتنا، كما يقول الخطيب، تمتلئ بالمشاحنات والغيبة والملهيات، وقراءة القرآن فيها نادرة؛ بينما كانت بيوت النبي وأهل البيت موطناً دائمًا للصلاة وذكر الله والقرآن. الفرق بيننا وبينهم هنا ليس في الادّعاء، بل في البرنامج اليوميّ: هم كثرة عبادة وبكاء وخشية، ونحن – غالبًا – قلّة عبادة وكثرة انشغال، ثم نقول إننا نريد الاقتداء بهم.

 

كرم الإمام عليه السلام ودروس الإنفاق

من عناوينه المشهورة «صرار موسى»؛ أي الأكياس التي كان يرسلها إلى الفقراء، حتى صار يُقال في الأمثال: «مثل صرّة موسى». الشيخ المفيد ينقل أن الإمام كان يصل بالمئتي دينار إلى ثلاثمئة دينار، ويُقال إن أهله كانوا يتعجّبون ممّن تصله «صرّة موسى» فيشكو قلّتها.

القرآن يقول: ﴿لن تنالوا البرَّ حتى تُنفِقوا مما تحبّون﴾؛ بينما كثيرون منّا يُنفقون من «الفراطة»: الملابس القديمة، بقايا الطعام، ما لا نحبّ أن نحتفظ به.  من أراد أن «يُقرض الله قرضًا حسنًا» فليُخرج من أحبّ شيء لديه، لا من أسوأه. من يعطي القليل عن غير حبٍّ، يضيّق على نفسه باب الرزق؛ ومن يتدرّب على البذل عن حبٍّ وقربة، يفتح الله له أبواباً من حيث لا يحتسب.

حتى الشاب الذي لا يملك إلا مصروفه، إذا اقتطع من أحسن ما عنده لفقيرٍ محتاج، يعلّمه ذلك الخلق، ويستدرّ عليه رزقًا أوسع؛ كما يوسّع الأهل خرجيّة ولدهم عندما يرونه كريمًا.

 

صلة الرحم والأمانة:

في بعض الآثار أنّ للصراط على جهنّم حافّتين: «الرحم» و«الأمانة». من أهمل رحمه، أو خان الأمانة، فهو على خطرٍ من السقوط. الخطيب يذكّر بأنّ بعض المتديّنين إذا «تديّن» صار ينظر إلى أهله على أنهم فسَقة أو بعيدون عنه، فيُهمِل صلة الرحم، ويبالغ في القطيعة؛ مع أن صلة الرحم واجبةٌ على كلّ حال.

الأمانة ليست المال وحده؛ الكلمة أمانة، أسرار الزوجة أمانة، شكاوى الأبناء أمانة. من ينقل كلام زوجته إلى أهلها بما يُحرجها أو يُشوّه صورتها، خائن للأمانة، حتى لو زيّن تصرّفه بلباس الدين.

 

تفقد الفقراء سرّاً

من أجمل ما في سيرة الإمام الكاظم عليه السلام أنه كان «يفتقد فقراء المدينة في الليل»، يحمل إليهم العين (الغلال) والورق (المال) والأذقّة (الأطعمة) والتمور، ويوصلها إليهم خفيةً، «ولا يعلمون من أي جهة هو».

وعندما غُسّل جسد الإمام السجّاد عليه السلام وُجد على كتفيه أثر «أكياس الطعام» التي كان يحملها ليلًا للفقراء؛ فهذه سُنّة ممتدّة في أهل البيت. من أراد أن يقتدي بهم فليسأل نفسه:

هل لفقرائنا نصيب من رزقي؟

هل هناك عائلة واحدة أعرفها تتلقّى منّي شيئًا في الخفاء، لا رياءً ولا سمعة؟

 

كاظم الغيظ عنوانًا وسلوكًا

لقِّب الإمام بـ«الكاظم» لأنه يكظم الغيظ، ويصبر على أذى الظالمين حتى مات مسمومًا في حبسهم وهو صابر محتسب. من صفته عليه السلام أنه كان «إذا قرأ القرآن يحزن ويبكي، ويبكي السامعون لتلاوته»، وكان الناس في المدينة يسمّونه «زين المجتهدين».

الكاظم الحقيقي للغيظ هو من: لا يردّ الإساءة بالإساءة، ولا يفتك لسانه بكرامة الناس، ويبادر إلى الاعتذار إن أخطأ، ولو شعر ببعض «الذلّ» أمام الناس؛ فهذا الذلّ مع الله أحبّ من العزّ مع الباطل.

الغريب أن بعضنا يبني تدينه على قاعدة «الذي يطلع فيه كالعلى عينه»؛ يهدّد، ويرفع صوته، ويعتبر نفسه شديدًا في الحق، بينما لا أثر لكظم الغيظ في سيرته: إذا تحمّل دقيقتين قال: «أنا صبرت كثيرًا»، واعتبر نفسه مضطرًّا لتصفية الحسابات. هذه شخصية بعيدة عن الكاظم وعن آية: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾.

 

العقل الكامل في كلام الإمام الكاظم لهشام

في حديثٍ طويل لهشام بن الحكم، يقول الإمام الكاظم: «ما عُبد الله بشيء أفضل من العقل، وما تمّ عقل امرئٍ حتى يكون فيه خصال شتّى». ثم يذكر من هذه الخصال:

أن يُؤمَن شرّه، ويُؤمَل خيرُه؛ من كان الناس يخافون لسانه أو أذاه، ففي عقله نقص.

أن يكون «فضل ماله مبذولاً» و«فضل قوله مكفوفًا»؛ يزيد في العطاء، ويقلّل من الكلام.

أن يكون «نصيبه من الدنيا القوت»؛ لا يُرهق نفسه في طلب الزوائد، بل يكتفي بالكفاية.

وأن «لا يشبع من العلم دهره»؛ يبقى طالبًا للمعرفة إلى آخر عمره.

ثم يصل إلى «تمام الأمر»: «يرى الناسَ كلّهم خيرًا منه، وأنه شرّهم في نفسه».  لا بمعنى احتقار ذاته، بل بمعنى: أنه يرى ما عند الناس من الخير من فضل الله عليهم، ويرى نفسه لولا رحمة الله شيئًا لا يُذكر؛ كما يقول السجّاد في دعائه: «وأنا يا ربّ أقلّ الأقلّين، وأذلّ الأذلّين».

فمن عرف أن كل نعمة من الله – «وما بكم من نعمة فمن الله» – رأى أيّ خيرٍ فيه منّةً إلهية، لا سببًا للكبر؛ فيتواضع قلبًا ولسانًا، ويستغني عن النظر إلى عيوب الناس، منشغلًا بعيبه هو.

 

وفي الختام:

من يجعل هذه الملامح حيّة أمام عينيه: عبادة الكاظم وبكاءه، كرمه الخفيّ، صلته للرحم، كظمه للغيظ، وتعريفه للعقل الكامل، يجد أن أفضل طريقة للاحتفاء به ليست فقط مجالس العزاء والمديح، بل برنامج عمليّ يقتطع فيه:

وقتًا ثابتًا لقراءة القرآن خصوصًا ليلًا، جزءًا من ماله للفقراء سرًّا، مساحة لصلة أرحامه وإصلاح ما فسد من علاقاته، وموقفًا واعيًا كلّما ثار غضبه: «هل أريد أن أكون من شيعة الكاظم أم من شيعة نفسي؟».

 

مواضيع مشابهة

أمناء الرّحمن – 11 – سيرة الإمام الكاظم عليه السلام

صلاة الإمام الكاظم (ع)