في مجلس الإمام الباقر ع – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله
الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام أحد الأنوار الأربعة عشر التي ينبغي أن يمضي المؤمن عمره وهو يتعرّف إليها. وُلد – على الأشهر – سنة 57 للهجرة، أي قبل كربلاء بنحو أربع سنوات، وكان حاضرًا في واقعة الطف صغيرًا. واستشهد – على الأشهر أيضًا – سنة 114 للهجرة، فيكون عمره الشريف ثمانٍ وخمسين سنة، وقد ورد عنه نفسه: «بلغتُ الثامنة والخمسين»، كما ورد مثل ذلك عن أمير المؤمنين والحسين والسجّاد عليهم السلام.
تولّى الإمامة وهو في نحو الثامنة والثلاثين، واستمرت إمامته قرابة تسعة عشر عامًا، كانت تجديدًا فعليًا للبعثة النبوية في العلم والتزكية.
شهادة علماء الأمة على علمه ومقامه
مدحُ الإمام الباقر لا يقتصر على علماء الشيعة؛ بل سجّل كبار علماء السنّة شهاداتٍ لافتة في حقّه. الذهبي يصفه بأنه «الإمام الثبت الهاشمي العلوي المدني أحد الأعلام».
محمد بن طلحة الشافعي يقول عنه: «وهو باقر العلم وجامعه، وشاهر علمه ورافِعه… صفا قلبُه، وزُكِّي عملُه، وطَهُرت نفسُه، وشَرُف خُلُقه، وعُمِّرت بالطاعة أوقاتُه، ورسخت في مقام التقوى قدمُه».
وابن حجر الهيتمي – صاحب «الصواعق المحرقة» – مع أنه ألّف كتابَه في الردّ على الشيعة، إلا أنه حين وصل إلى سيرة الباقر كتب: «وارثُ عليّ بن الحسين من ولده عبادةً وعلماً وزهدًا أبو جعفر محمد الباقر… سُمّي بذلك من بقر الأرض أي شقّها وأثار مخبآتها؛ أي شقّ العلوم وأظهر كنوز المعارف المخبّأة فيها».
ويضيف: «أظهر من مخبآت كنوز المعارف وحقائق الأحكام والحِكَم واللطائف ما لا يخفى إلا على مطموس البصيرة أو فاسد الطوية والسريرة».
هذه الشهادات تكشف أن أئمتنا – وفي مقدمتهم الباقر – أئمةٌ للمسلمين جميعًا في العلم والزهد والعبادة، وأن ما وصلنا من نصوصهم في التزكية والمعرفة لا يُستغنى عنه لمن أراد طريقًا ربانيًا صحيحًا.
«باقر العلم»… لقبٌ محمدي ومعجزة في التربية
لقب «الباقر» لم يأتِ من الناس، بل من رسول الله صلى الله عليه وآله نفسه؛ إذ قال عن حفيده: «يبقر العلم بقراً»؛ أي يشقّه شقًّا ويستخرج دفائنه. ومعنى «التبقر في العلم» هو التوسّع فيه إذا صار للإنسان قدرة على الدخول في دقائقه وعمقه.
ابن المديني يروي أن النبي صلى الله عليه وآله أمر جابر بن عبد الله الأنصاري أن يبلّغ سلامه إلى الإمام الباقر:
كان جابر جالسًا عند رسول الله والحسين في حجره طفلًا يداعبه، فقال له النبي: «يا جابر، يولد لهذا – وأشار إلى الحسين – مولود اسمه علي، يُنادى يوم القيامة ليقم سيد العابدين، فيقوم ولده؛ ثم يولد له مولود اسمه محمد، فإن أدركته يا جابر فأقرئه مني السلام».
مرت الأيام حتى رأى جابر غلامًا سبطياً في المدينة، فسأله عن اسمه ونسبه، فلما عرف أنه محمد بن علي بن الحسين، قال له: «إن رسول الله صلى الله عليه وآله يسلم عليك»، فكان ذلك نصًّا نبوياً على إمامته، وتشريفًا عجيبًا أن يحمل صحابيٌّ سلامَ الرسول إلى طفلٍ في الظاهر، إمامٍ في الحقيقة.
الإمام الصادق عليه السلام يشرح هذه القصة بوجهٍ آخر، فيقول إن جابرًا كان ينادي في طرق المدينة: «يا باقر العلم، يا باقر العلم»، فيقول الناس: «جابر يهجر»، فيقسم: «ما أهجر، ولكن سمعت رسول الله يقول: إنك ستُدرِك رجلاً اسمه اسمي وشمائله شمائلي يبقر العلم بقراً؛ فذاك الذي دعاني إلى ما أقول».
بذلك يصبح لقب «الباقر» مصطلحًا محمديًا، لا لقبًا عفويًا.
شهادة كبار العلماء بعظمة الإمام الباقر عليه السلام
المرجع السيد محمد هادي الميلاني رضوان الله عليه، في كتابه «قادتنا كيف نعرفهم»، يصف علم الإمام الباقر بأنه «بحرٌ لا ينفد، وجبلٌ لا يرقى إليه الطير؛ طأطأ كل عالمٍ لعلمه، وخضع له كلّ شريف».
ويورد قول عبد الله بن عطاء: «ما رأيت العلماء عند أحدٍ أصغرَ علمًا منهم عند أبي جعفر»، حتى الحكم بن عتيبة – وهو من كبار فقهاء أهل السنّة، كان مجلسه يغصّ بالعلماء في مسجد النبي – إذا جلس بين يدي الباقر بدا كتلميذٍ متعلّم، لا كشيخٍ يُرجَع إليه.
ابن أبي الحديد المعتزلي يكتب في شرح نهج البلاغة: «كان محمد بن علي بن الحسين سيد فقهاء الحجاز، ومنه ومن ابنه جعفر تعلّم الناس الفقه».
إذن كلُّ طرق الفقه – شاء الناس أم أبوا – ترجع إلى مدرسة الباقر والصادق، ومنهما تفرّعت مدارس الفقه في المدينة والكوفة وسائر الأمصار.
لقطة من مجلس الإمام الباقر عليه السلام:
من أجمل ما نُقل عن الإمام الباقر حكايةُ رجلٍ كان يسير بين مكة والمدينة، فرأى من بعيد شبحًا يظهر تارة ويختفي أخرى، حتى إذا اقترب وجده غلامًا في السابعة أو الثامنة، له هيبةٌ خاصة.
سلّم عليه وسأله: من أين؟ قال: «من الله». قال: إلى أين؟ قال: «إلى الله». قال: ما زادك؟ قال: «التقوى».
ثم سأله عن نسبه، فقال:
«أنا رجل عربي«، ثم: «أنا رجل قرشي»، ثم: «أنا رجل هاشمي»، ثم صرّح: «أنا علوي»، ثم أنشد:
«نحن على الحوض روّاده، نذود من ردّ عنه ويردُه، ويسعد واردُه، فما فاز من فاز إلا بنا، وما خاب من حبّنا زاده، فمن سرّنا نال منّا السرور، ومن ساءنا ساء ميلادُه، ومن كان غاصبنا حقَّنا فيوم القيامة ميعاده».
ثم قال: «أنا أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب»، والتفت الراوي فلم يره؛ كأنه رسالة خاطفة، اختصّ بها هذا الرجل، ليفهمه أن الفوز الحقيقي مرهونٌ بالارتباط الصادق بأهل البيت، وأن الغاصبين لحقوقهم موعدُهم يوم القيامة.
حبّابة الوالبية وسرّ الأنوار
حبّابة الوالبية امرأة مؤمنة عاشت أعمار الأئمة من أمير المؤمنين حتى الرضا؛ كانت تحمل حصاة يختم عليها كل إمامٍ بخاتمه، فيظهر الختم في الحجر آيةً على إمامته. في زمن الإمام الباقر كانت قد شاخت، واشتدّ بياض شعرها، فدخلت عليه، فقال لها: «ما الذي أبطأ بك يا حبّابة؟» قالت: كِبر سنّي وبياض رأسي وكثرة همومي. فوضع يده على مفرق رأسها ودعا بدعاء لم يُفهَم لفظه، فـ«سُوِّد شعر رأسها، وعاد حالكًا، وصارت شابة»، وسُرَّ الإمام لسرورها.
بعد هذه الكرامة لم تنشغل حبّابة بمظهرها الجديد، بل طرحت سؤال العقيدة العميق:
«بالذي أخذ ميثاقك على النبيين، أيَّ شيء كنتم في الأظلّة؟»؛ تشير إلى عالمٍ قبل عالم الذرّ، حيث أخذ الله ميثاق النبيين على الإيمان بمحمد وآله.
أجابها الإمام: «يا حبّابة، كنّا نورًا، نسبّح الله، فسبّحت الملائكة بتسبيحنا». ثم لما خلق الله آدم، أجرى ذلك النور فيه، ليُولد محمّد وآله من ذريّته، ويكونوا سرّ مشروع الإنسان في الأرض؛ إذ بهم تعلّمت الملائكة التسبيح، وبهم يُفهَم معنى الخلافة الحقّة.
وفي الختام:
الإمام لا يشفي الأبدان فحسب، بل يفتح القلوب على حقائق ما قبل الدنيا، وأن المؤمن – رجلًا كان أم امرأة – ينبغي أن يهتمّ بعقيدته بقدر اهتمامه بسلامة جسده، بل أكثر.
من يجلس في «مجلس الإمام الباقر» من خلال هذه النصوص، يشعر أنه أمام مدرسةٍ تجمع: عمق التوحيد، وأصول الإمامة، ومنهج تزكية النفس، ومحبّة أهل البيت التي بها «فما فاز من فاز إلا بنا».
مواضيع مشابهة

