قناة المعارف الفضائية | سراج العلم والفضيلة
فهرس: نسيم كربلاء
آخر برامج من: الشيخ حسين الكوراني (ره)
آخر برامج في قناة المعارف الفضائية

الشهيد عمرو بن الحمق رض (1) – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله

في سلسلة «سيرة الإمام الحسين عليه السلام قبل كربلاء» يبرز اسم شهيدٍ عظيمٍ قلّما يُعرَف حقّه: عمرو بن الحمق الخزاعي؛ الصحابي الجليل، زميل حجر بن عدي، وأحد حواريّي أمير المؤمنين عليه السلام.

الإمام الحسين عليه السلام احتجّ بقتله على معاوية في رسالة شهيرة، فكتب إليه:

(أولستَ قاتلَ عمرو بن الحمق صاحب رسول الله، العبد الصالح، الذي أبلته العبادة، فصفّر لونه، ونحَل جسمُه، بعد أن أمنتَه وأعطيته من عهود الله عز وجل وميثاقه ما لو أعطيته طائرًا لنزل إليك من رأس الجبل، ثم قتلته جرأةً على ربّك واستخفافًا بذلك العهد؟).

هذه الشهادة من الحسين تكفي لتكشف مكانة هذا الرجل عند الله ورسوله وأهل البيت، وخطورة جريمة معاوية في قتله.

 

أولًا: من هو عمرو بن الحمق؟

الاسم والمعنى

اسمه: عمرو بن الحمق الخزاعي. وكلمة «الحَمَق» هنا لا علاقة لها بالـ«حُمْق» (الغباء)، بل معناها في العربية: «خفيف اللحية»؛ فكانت صفة لأبيه ثم غلبت عليه وعلى بيته.

صحابي منذ صدر الإسلام

تذكر مصادر الرجال عند الإمامية، ككتاب «اختيار معرفة الرجال» للشيخ الطوسي (المختار من رجال الكشي)، أنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله.

بل له خصوصية إضافية: أن النبي صلى الله عليه وآله بعث له السلام قبل أن يلتقيه ويدخل في الإسلام، كما سيأتي في قصة السرية.

 

ثانيًا: قصة السرية وبشارة النبي

بعث رسول الله صلى الله عليه وآله سريةً وقال لهم:

ستضلّون الطريق في ساعةٍ معيّنة من الليل، إذا أحسستم بالضلال فخذوا ذات اليسار، ستمرّون برجل «في شأنه» (مشغول بأموره)، تسترشدونه، فيأبى أن يرشدكم حتى تَكونوا ضيوفه؛ يذبح لكم كبشًا، يطعمكم ويسقيكم، ثم يرشدكم.

«فأقرِئوه مني السلام، وأعلموه أنّي قد ظهرت بالمدينة».

حدث الأمر كما أخبرهم النبي:

ضلّوا، فتذكّر بعضهم كلام الرسول: «ألم يقل لكم أن تتياسروا؟» فمضوا يسارًا.

مرّوا بالرجل، فأبى أن يدلّهم حتى أنزلهم ضيوفًا، وذبح لهم كبشًا، وأطعمهم وسقاهم، ثم أرشدهم الطريق.

هو عمرو بن الحمق، لكنهم نسوا أن يبلّغوه سلام النبي.

فلما افترقوا، سألهم: «أظهر النبي بالمدينة؟» قالوا: نعم. فشدّ رحله إلى رسول الله، وأقام معه مدةً، ثم قال له النبي: «ارجع إلى بلادك، فإذا انتقل عليّ بن أبي طالب إلى الكوفة فالتحق به».

هكذا نرى: النبي يتحدّث عنه قبل لقائه، ويبعث إليه السلام، ويرسم له طريق الارتباط بأمير المؤمنين بعده.

 

ثالثًا: عمرو بن الحمق مع أمير المؤمنين عليه السلام

حين التحق عمرو بأمير المؤمنين عليه السلام قال له كلماتٍ تكشف عمق بصيرته وولائه:

«والله ما جئتك لمالٍ من الدنيا تُعطينيه، ولا لالتماس سلطانٍ ترفع به ذِكري، ما جئتك إلا لأنك ابن عم رسول الله، وأوْلى الناس بالناس، وزوج فاطمة سيّدة نساء العالمين، وأبو الذرّيّة التي بقيت لرسول الله، وأعظم سهمًا للإسلام من المهاجرين والأنصار… والله لو كلّفتَني نقلَ الجبالِ الرواسي ونزح البحور الطوامي… ما ظننتُ أنّي أدّيت من حقّك كلّ الحق».

 

فقال له أمير المؤمنين عليه السلام:

«اللهم نوّر قلبه، واهدِه إلى الصراط المستقيم، ليت أنّ في شيعتي مئة مثلك».

هذا الدعاء العلوي شهادة عظيمة بمقامه الإيماني، وأنه من حواريي عليٍّ وأصفيائه.

 

رابعًا: منزلته في كلام العلماء

من خلال الروايات وكلمات العلماء تتجلّى مكانته:

أنه من السابقين وحواريّي عليّ، فالحرّ العاملي يذكره في فوائد كتاب «وسائل الشيعة» ضمن «السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين، وهو من حواريّه».

من الأركان الأربعة من التابعين

الشيخ المفيد في كتاب «الاختصاص» يذكر «الأركان الأربعة» من التابعين:

أويس القرني، وعمرو بن الحمق الخزاعي، ويقول عنهما إنهما من قمم الإيمان؛ حتى أن أويسًا «يشفع في مثل ربيعة ومضر»، ويجعل عمرو في مستوى رفيع بينهم.

بل ينقل الشيخ المفيد عن جعفر بن الحسين أن عمرو «كان من أمير المؤمنين بمنزلة سلمان من رسول الله».

والسيد الخوئي بعد استعراض النصوص يقول: «جلالة عمرو بن الحمق من الواضحات التي لا يعتريها شك، مضافًا إلى أنّ شهادة البرقي على أنه كان من شرطة الخميس فيها كفاية».

و«شرطة الخميس» هم نخبة الاستشهاديين مع علي عليه السلام، الذين بايعوه على الذبح في سبيل الله وضمنت لهم الجنة.

معجزة الدعاء بطول الشباب

القطب الراوندي يروي أن النبي دعا له: «اللهم مُتّعه بشبابه»، فمرّت به ثمانون سنة «لم تُرَ له شعرة بيضاء».

كل ذلك يبيّن أننا أمام شخصية زهدٍ وعبادة وولاية وجهاد، لا صحابيًا عاديًّا.

 

خامسًا: عبادته وزهده… وخطّ الاقتداء

يصفه النص بأنه «عبدٌ صالح أبلته العبادة، فصفّر لونه، ونحَل جسده».

ويستخلص المحاضر من سيرته درسًا تربويًّا لنا:

المطلوب من كل مسلم أن يكون له خطّ زهدٍ وعبادة في حياته، ولو بحسب طاقته، لا أن يكتفي بالحدّ الأدنى ويطلب من الدنيا الحدّ الأقصى.

تربية الأولاد يجب أن لا تكون على «الترف والدلال المطلق»؛ لأن ذلك يمنعهم غالبًا من تحمّل مسؤوليات الدين والجهاد إذا كبروا. بل ينبغي تدريبهم على الصدقة، والإحساس بجوع الآخرين، والتوازن في النفقات.

كما يلفت إلى ضرورة التدرّج في العبادة:

المحافظة أولًا على الصلاة في أوّل وقتها، خصوصًا صلاة الصبح عند الفجر، لا قبيل الشروق.

ثم إضافة تعقيبات بسيطة بعد الصلاة: تسبيح الزهراء، آية الكرسي مرّة، وقل هو الله أحد ثلاثًا؛ «لا يواظب عليه إلا نبي أو صِدّيق أو شهيد».

ثم التدرّج في قراءة القرآن؛ من آيات إلى صفحة، وهكذا، على قاعدة: «إنّ هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق».

هكذا نفهم معنى الاقتداء بعمرو وأمثاله: ليس بأن نبلغ مقامهم، بل بأن نسير على خطٍّ صاعدٍ في العبادة والزهد.

 

سادسًا: مطاردته وشهادته

ظلّ معاوية يطلب عمرو بن الحمق مطاردًا «خفيفًا» حتى استُشهِد غريبًا، بعيدًا عن موطنه.

في التفاصيل: لعب عمرو دورًا كبيرًا في الولاء لأمير المؤمنين، ثم في معارضة الانحراف الأموي، ما جعله هدفًا أساسيًّا للسلطة.

فهرب من الكوفة إلى الموصل مريضًا، وكان معه زميله زاهر مولى عمرو بن الحمق؛ فقال زاهر: «أنثروا نبلي وأدافع عنك»، فأجابه عمرو بأنه سيكون إلى خير، كأنه يشير إلى أن زاهر مدَّخر لكربلاء، حيث استُشهِد هناك فعلًا.

قُتل عمرو في الموصل، لكن معاوية لم يكتفِ بذلك؛ فأمر بأن يُحمل رأسه إلى زوجته آمنة بنت الشريد؛ عقابًا وحقدًا، كما مثّل من قبل بحجر بن عدي وأصحابه.

هذه القسوة توضّح لماذا اعتبر علماء من أهل السنة أنفسهم أن قتل معاوية لعمرو وحجر من أوضح أدلّة إدانته؛ فالحافظ أبو نعيم حين سُئِل لماذا لم يترجم لمعاوية في كتابه «حليّة الأولياء» قال: «إن التراجم أُلفت في الأولياء، لا في الأمراء»؛ «فما لِمعاوية وكتاب الأولياء؟».

 

خلاصة الدرس من هذه السيرة

من خلال ما تقدّم، يتبيّن أن: حقيقة التوحيد والنبوة والإمامة والدين وصلت إلينا بفضل تضحيات من هذا الطراز: عمرو، وحجر، وسلمان، وأبو ذر، وأمثالهم.

استمرار خطّهم مرهون باقتدائنا بهم: في وضوح البصيرة في الإمامة، في الزهد في الدنيا، في خطّ العبادة المتصاعد، وفي الاستعداد للتضحية في سبيل الحق بحسب طاقتنا.

جريمة قتلهم ليست إساءةً لأشخاصٍ عاديين، بل اعتداءٌ على رموزٍ كانت «بمنزلة سلمان من النبي» وبمنزلة «الأركان» في الأمة، وهذا من أعظم ما يُدين مشروع الحكم الأموي.

فسيرة عمرو بن الحمق ترسم لنا ملامح شهيدٍ كبير كان الحسين عليه السلام يحتجّ بقتله على معاوية، لنفهم أن طريق كربلاء لم يبدأ في سنة 61 هـ، بل مهّد له رجالٌ كهؤلاء منذ صدر الإسلام، عبادةً وجهادًا وولايةً حتى آخر قطرات الدم.

 

مواضيع مشابهة

على أعتاب الحسين ع -40- أصحاب الإمام الحسين

سر خلود الحسين (عليه السلام) وأصحابه