أعمال ليلة دحو الأرض ويومها – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله
ليلة الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة من الليالي العظيمة في السنة، تُعرف باسم ليلة دحو الأرض؛ أي الليلة التي بدأ الله فيها بَسْطَ الأرض من تحت الكعبة المشرفة.
قوله تعالى: (وَٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ) هو أصل هذا المصطلح، فالدحو هو البَسْطُ والتمهيد.
معنى دحو الأرض وارتباطه بمكة
رُوي عن الإمام الباقر عليه السلام أن الله تعالى لما أراد خلق الأرض: أمر الرياح فضربن وجه الماء حتى صار موجًا، ثم صار زبدًا، فجمعه في موضع البيت، ثم جعله جبلاً من زبد، ثم دحا الأرض من تحته؛ أي بسطها من تحت الكعبة.
وهذا معنى قوله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ).
بهذا يكون: مركز دحو الأرض هو الكعبة، ومن مكة بدأ انتشار اليابسة، فتتّضح العلاقة العميقة بين هذه الليلة، وبين التوحيد الإبراهيمي والمحمّدي معًا، إذ إن إبراهيم خُوطِب أن يهاجر إلى مكة، ويضع فيها هاجر وإسماعيل عند بيتٍ غير ظاهر بعد، ليكون ذلك تأسيسًا لطريق النبوّة الخاتمة.
25 ذي القعدة: ولادة أنبياء وقيام القائم ومولد الإمام الرضا
في رواية عن الإمام الرضا عليه السلام: في ليلة 25 ذي القعدة وُلد إبراهيم عليه السلام، ووُلد فيها عيسى بن مريم عليه السلام، وفيها دُحيت الأرض من تحت الكعبة.
وعلى رواية أخرى، في هذا اليوم يقوم القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف؛ أي أنه اليوم المقدّر لبدء ظهوره المبارك.
كما أنّ مولد الإمام الرضا عليه السلام كان في الخامس والعشرين من ذي القعدة، فاجتمع في هذا اليوم: بدء بسط الأرض، ولادة نبيين عظيمين، وقيام القائم (على رواية).
من هنا تتّضح حكمة الربط بين: دحو الأرض، والحقيقة المحمدية، وامتدادها في الإمام الرضا وأختِه المعصومة في خراسان وقم، وانتشار نور الإسلام من تلك الديار إلى العالم.
فضل ليلة دحو الأرض ويومها
يقول الشيخ عباس القمي في «مفاتيح الجنان» – جامع الروايات لا مؤلفها – إن ليلة 25 من ذي القعدة ليلة شريفة، تتنزّل فيها رحمة الله، وللقيام بالعبادة فيها أجر جزيل.
ورُوي في فضل صيام اليوم الخامس والعشرين: أنه يعدل صيام سبعين سنة، وأنه كفّارة لذنوب سبعين سنة، وفي رواية أخرى: من صام هذا اليوم وقام ليلته كان له ثواب عبادة مئة سنة، ويستغفر له كل شيء بين السماء والأرض، لأنه يوم انتشرت فيه رحمة الله.
لذلك يُستحبّ: إحياء الليلة السابقة بالعبادة والدعاء، وصيام اليوم نفسه، رجاء هذه الأجور العظيمة.
أعمال يوم دحو الأرض (25 ذي القعدة)
إضافة إلى الصيام والغسل والذكر العام وقراءة القرآن وقضاء ما فات من الصلوات، وردت أعمال خاصة لهذا اليوم، أهمّها:
صلاة دحو الأرض:
تُصلّى ركعتان عند الضحى (الوقت الوسطي بين الفجر والظهر).
في كل ركعة: بعد الفاتحة تُقرأ سورة «والشمس وضحاها» خمس مرات.
بعد التسليم يُقال: «لا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم»، ثم يُدعى بالدعاء المأثور القصير.
دعاء «اللهم داحي الكعبة»:
ورد في «مصباح» الشيخ الطوسي، وهو من كبار مراجع الأعمال عند المتقدّمين، استحباب دعاءٍ في هذا اليوم أو ليلته، أوله:
«اللهم داحي الكعبة، وفالق الحبّة…».
ومفاتيح الجنان يركّز كثيرًا على نقله عن الشيخ الطوسي، ما يزيد الوثوق باستحبابه.
الغسل:
يُستحبّ الغسل في هذا اليوم بنية القربة إلى الله؛ تأكيدًا على طهارة الظاهر مع السعي إلى طهارة الباطن.
زيارة الإمام الرضا في هذا اليوم:
ينقل السيد الداماد في رسالته «الأيام الأربعة» عن أعمال دحو الأرض أن زيارة الإمام الرضا عليه السلام في هذا اليوم هي آكد آدابه المسنونة؛ أي من أوكد المستحبات فيه.
بل يتأكّد استحباب زيارته في: يوم 25 ذي القعدة (يوم مولده)، واليوم الأول من شهر رجب.
لذلك يُستحبّ للمؤمن: إن استطاع، أن يشدّ الرحال إلى مشهده في مشهد، وإن تعذّر، أن يزوره عن بُعد بزيارة مأثورة، أو السلام عليه من مكانه، مستحضرًا خصوصية هذا اليوم وعلاقته بمولده الشريف.
مكانة «مفاتيح الجنان» في إحياء هذه المواسم
التشكيك المعاصر في كتاب «مفاتيح الجنان» يقطع صلة الناس بهذه المواسم، مع أنّ:
الشيخ عباس القمي لم يؤلِّف مفاتيح الجنان من رأسه، بل جمع فيه الآيات والروايات، بعد أن اعتنى بالأسانيد.
الإمام الخميني رضوان الله عليه قال: إن مفاتيح الجنان كتاب جمعه الشيخ عباس القمي من نصوص الوحي وأحاديث أهل البيت.
الشهيد السيد محمد الصدر صرّح بأن الشيخ القمي «لم يورد في مفاتيح الجنان إلا الروايات القوية»، ولذلك ترك كثيرًا من الأعمال المشهورة عندما لم يطمئنّ إلى سندها.
بهذا يصبح مفاتيح الجنان: خريطة عملية لعلاقة المؤمن بـ«أيام الله»، وآلة تحفظ لنا مواسم الرحمة – مثل ليلة ودحو الأرض – من النسيان في زحمة الأعياد الدنيوية التي لا أصل لها في الوحي.
كيف نستقبل ليلة دحو الأرض ويومها؟
للاستفادة من هذه الفرصة:
في الليلة (ليلة 25 ذي القعدة): تخصيص وقتٍ للتهجّد، والدعاء، وقراءة القرآن، الاستغفار، وطلب الحوائج بثقة بانتشار الرحمة في هذه الليلة.
في اليوم (25 ذي القعدة): الصيام بنية القربة إلى الله، الاغتسال، أداء صلاة دحو الأرض في وقت الضحى، قراءة دعاء «اللهم داحي الكعبة»، الإكثار من ذكر الله، وزيارة الإمام الرضا عليه السلام حضورًا أو عن بُعد.
ومن جمع بين: صيام اليوم، وقيام ليلته، واهتمامه بزيارة الإمام الرضا، رُجيَ له أن ينال نصيبًا وافراً من ثواب مئة سنة، وتطهير سبعين سنة من الذنوب، ودخولٍ في رحمةٍ بُسطت يوم دُحيت الأرض، وستبقى تُبسط لكل من عرف قدر هذه الليلة واليوم.

