قناة المعارف الفضائية | سراج العلم والفضيلة
فهرس: أضواء
آخر برامج من: الشيخ حسين الكوراني (ره)
آخر برامج في قناة المعارف الفضائية

قصة شطيطة والدروس المستفادة منها – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله

قصة شَطيطة النيسابورية ليست حكايةً هامشية في هامش كتب الرجال، بل مرآة حادّة تبيّن كيف ترفع امرأة فقيرة بدرهمٍ وشقّة قماش ميزانها عند الله فوق أموال الآلاف، وكيف يُدرِك الإمام الكاظم عليه السلام قلبًا صادقًا في قرية بعيدة فيخصّه بعنايةٍ في حياته ومماته. من خلال هذه القصة، تظهر معايير السماء: أين القيمة الحقيقية، وأين الورقة الرابحة عند لقاء الإمام والوقوف بين يدي الله.

 

ملخص القصة ووضع نيسابور

في أواخر حياة الإمام الصادق عليه السلام، كانت جماعة من شيعته في نيسابور تجتمع كل عام، تجمع الحقوق الشرعية (الخمس والزكوات والهِبات)، وتبعث بها إلى الإمام عبر رسولٍ موثوق. في سنةٍ من السنين، اجتمعوا، وتذاكروا كثرة من يدّعي الإمامة زورًا، فقالوا: نختار رجلاً ثقةً نبعثه بهذه الأموال ليتعرّف لنا «من الإمام الحق بعد الصادق». اختاروا رجلاً يُعرف بأبي جعفر النيسابوري، وجمعوا له: ثلاثين ألف دينار، وخمسين ألف درهم، وألفين قطعة قماش ثمينة، وأسئلة مكتوبة في سبعين ورقة مختومة.

في أثناء ذلك، جاءت امرأةٌ كبيرة من «عجائز الشيعة الفاضلات» اسمها شَطيطة، لا تملك إلا: درهمًا واحدًا فيه درهمان و«دانقان» (أي درهم وثلث تقريبًا)، وشقّة قماش من غزل يدها، ثمنها أربعة دراهم.

قالت: «ما يستحقّ عليَّ في مالي غير هذا؛ هذا الخمس الذي عليّ، فادفعه إلى مولاي». استحى أبو جعفر أن يحمل للامام درهمًا وشقّة بسيطة وسط هذا الكم الهائل من الذهب والفضّة والثياب؛ فقال لها: «اسْتَحي من أبي عبد الله أن أحمل إليه درهمًا وشَقّة بطانة». فأجابته بصفاء: «لِمَ لا تفعل؟ إن الله لا يستحيي من الحق. هذا الذي يستحقّ عليّ. فاحمله؛ فلأن ألقى اللهَ وليس له قبلي حقّ أحبّ إليّ من أن ألقاه وفي رقبتي لجعفر بن محمد حقّ».

عوج الدرهم ووضعه في كيسٍ فيه أربعمئة درهم لرجلٍ آخر؛ ولفّ شقّة القماش ضمن رزمة ثياب لاثنين من تجّار بلخ؛ وأخذ معه جزء المسائل المختومة؛ ثم توجّه إلى الكوفة فالمدينة.

 

ضياع الرسول وظهور الإمام الكاظم

في الكوفة التقى بأبي حمزة الثمالي، وتبادل معه الحديث عن الإمام بعد الصادق، ثم بلغه خبر شهادة الإمام الصادق عليه السلام، فازداد همّه: جاء ليرى إمامًا معروفًا، فإذا الإمام قد استُشهِد. مضى إلى المدينة، وسأل: من فتح بيته للناس بعد جعفر؟ فدلوه على ابنٍ للإمام الصادق يُدعى عبد الله، فقصده وسأله مسائل في الفقه، فوجده مضطربًا في الجواب، «يُسأل عن الحلال فيجيب عن الحرام، وعن شيء فيجيب بشيء آخر»، فعلم أن الأمر ليس عنده. خرج محزونًا، ومضى إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله، وانكبّ يبكي ويقول: «يا رسول الله، إلى من أمضي بهذه المسائل؟ إلى اليهود، إلى النصارى، إلى المجوس، أم إلى فقهاء النواصب؟».

وهو كذلك إذ أحسّ بيدٍ تُحرّكه، فرفع رأسه فإذا بعبدٍ أسود، عليه قميصٌ وعمامةٌ خلقان، يقول له: «يا أبا جعفر النيسابوري، مولاك موسى بن جعفر يقول لك: لا تذهب إلى اليهود ولا إلى النصارى ولا إلى المجوس ولا إلى فقهاء النواصب؛ أنا حجة الله. قد أجبتك عمّا في الجزء منذ أمس؛ فهاتِه، وهاتِ درهمَ شَطيطة الذي وضعته في كيس الأربعمئة درهم، وهاتِ شقّتها التي لففتها في رزمة الأخوَين البلخِيَّين».

يقول أبو جعفر: «فطار عقلي». رجع إلى رحله، فتح الأمتعة، وأخذ: الكيس الذي فيه درهم شطيطة بين أربعمئة درهم، والرزمة التي فيها شقّتها، والجزء الذي فيه المسائل المختومة، وذهب مع الغلام الأسود إلى دارٍ خربةٍ ببابٍ مهجور، لا حرس ولا علامات، بخلاف بيت عبد الله الذي كان مكتظًا بالحرس والفرش.

 

لقاء الإمام الكاظم وعنايته بشطيطة

دخل، فرأى الإمام الكاظم جالسًا على حصير، تحته وسادة يمانية بسيطة. فلما رآه الإمام «ضحك» وقال: «لا تَفزع، ولا تَقنَط… أنا حجة الله. ألم يعرّفك أبو حمزة على باب مسجد الكوفة؟».

ثم قال: هاتِ الكيس. فتحه، وأدخل يده، وأخرج «درهم شطيطة» وقال: «هذا درهمها؟» قال: نعم. ثم فتح الرزمة، وأخرج شقّة القطن وقال: «وهذه شقّتها؟» قال: نعم. ثم قال له: «اقرأ عليها السلام كثيرًا، وقُل لها: قد جعلتُ شَقَّتك هذه في أكفاننا». أي في الأكفان الخاصّة التي أعدّها أهل البيت لأنفسهم.

ثم أرسل لها من أكفانهم كفنًا من قطنٍ زُرِع في قريةٍ تُسمّى «صربة» من قرى فاطمة عليها السلام، من بذورٍ كانت الزهراء تزرعها بيدها جيلاً بعد جيل لأكفان أولادها، وغزلتْه بيدها أختُه حكيمة بنت الصادق، وقصره الإمام بيده.

ثم أعطى الرسول أربعين درهمًا، وقال له:

«قل لها: ستعيشين تسعة عشر يومًا من وصول هذا الكفن وهذه الدراهم؛ فأنفقي منها ستة عشر درهمًا على نفسك، واجعلي أربعة وعشرين صدقةً عنك، وأنا أتولّى الصلاة عليك. أوحشُ ما يكون ابن آدم عند الموت ودخول القبر؛ فإذا رأيتني، فكتم».

وأمره أن يفتح الخواتيم عن المسائل، وينظر إن كانوا راضين عن الأجوبة قبل أن يأتيهم؛ ففتحها، فوجد تحت كل مسألة جوابًا بخطّ الإمام.

 

وفاة شطيطة وحضور الإمام

عاد أبو جعفر إلى نيسابور؛ استقبلته الجماعة، وكانت شطيطة فيهم. أقبل عليها من بينهم، وأخبرها بما جرى، وأعطاها الشقّة والدراهم، «فكادت تشقّ مرارتها من الفرح؛ ولم يدخل إلى المدينة من الشيعة إلا حاسد أو متأسفٌ على منزلتها».

بعد تسعة عشر يومًا كما أخبر الإمام، توفّيت شطيطة. تزاحم الشيعة على الصلاة عليها؛ وبينما هم كذلك، رأى أبو جعفر الإمام الكاظم على نجيب، فنزل، وأخذ بخطامه، ووقف يصلّي عليها مع القوم، وحضر إنزالها إلى القبر، ونثر على جسدها من تراب قبر الحسين عليه السلام، ثم ركب البعير، وأشار نحو البريّة، وقال للرسول: «أخبر أصحابك بعدنا أنني حضرت، وأقرئهم عنّي السلام، وقل لهم: إنّني ومَن جرى مجراي من أهل البيت لابدّ لنا من حضور جنائزكم في أيّ بلد كنتم؛ فاتقوا الله في أنفسكم، وأحسنوا الأعمال؛ لتعينونا على خلاصكم وفكِّ رقابكم من النار».

 

الدروس العملية من شطيطة

قيمة القليل مع الإخلاص

الإمام ردّ الأموال الطائلة التي بعثها كثيرون، وقَبِل درهم شطيطة وشقّتها؛ لأن «القيمة في اليقين والورع»، لا في الكِثرة. درهمٌ خرج من قلبٍ يحبّ أن يبرأ ذمّته أحبّ إلى الإمام من آلافٍ خرجت من قلوبٍ لم تثبت على ولايته.

حرص المؤمن على براءة الذمّة

شطيطة لا تريد أن تلقى الله وفي عنقها «حقّ لجعفر بن محمد»، فتقول بوضوح: «فلئن ألقى اللهَ وليس له قبلي حقّ أحبّ إليّ»، مع أن المبلغ يسير. هذا الحرص على أداء الفريضة، ولو كانت قليلة، وجعلها في موضعها، هو الذي يفتح للإنسان هذه المنزلة.

العلم والعمل لا الادّعاء

الطريق إلى رضا الإمام كما لخّصه الخطيب: «دراسة الفقه، والعمل به، والورع، والاستعداد للآخرة». لا حيلة سحرية، ولا سرّ مخفي؛ إنما ما نعرفه من الحلال والحرام نلتزم به، بدقّةٍ وبلا تساهل؛ هنا تتحرّك عناية الإمام.

ليست المشكلة في قلّة الأساتذة، بل في قلّة التطبيق

كثيرًا ما نقول: «نحتاج مَن يدلّنا، ما وجدنا المرشد المناسب»، بينما مشكلتنا الحقيقية أننا لا نطبّق ما نعرفه أصلًا؛ نعلم أن الغيبة حرام ونغتاب، وأن الأذى حرام ونؤذي. الشيطان يقنعنا أن المشكلة في «البرنامج»، لا في القلب. قصة شطيطة تقول: طبّق ما تعلم، وسيصل إليك الإمام أينما كنت.

حضور الإمام جنازات المؤمنين

قول الإمام: «لابدّ لنا من حضور جنائزكم في أي بلد كنتم» يزرع في قلب المؤمن سكينةً عجيبة: لست وحدك عند الموت ولا في القبر؛ لكن حضورهم مشروطٌ بـ«أن نحسن الأعمال، ونتّقي الله»، ليعينونا على خلاصنا وفكّ رقابنا من النار.

مقام المرأة المؤمنة

شطيطة لم تكن سيّدة زينب ولا من بنات المعصومين؛ كانت امرأةً فقيرة، تغزل بيدها، تعرف فريضة الخمس وتلتزم بها، وتطلب العلم لتبرئ ذمّتها. بهذا بلغت مقامًا أعلى من أيّ رئيس أو صاحب سلطة دنيوية؛ لأن الكرامة عند الله بالإيمان، لا بالكراسي والكراكيب.

تليين القلب بين الدمع والعمل

القلب لا يلين بالدموع وحدها، ولا بالمعرفة وحدها؛ بل بجمعهما: دمعة على سيد الشهداء، وقرارٌ صادق بترك المحرّمات التي نعرفها، والابتعاد عن الأذى والغيبة والنميمة. عندها يصبح القلب مستعدًّا لأن يُقبَل دعاؤه، وتكون له عند الإمام عنايةٌ خاصة.

 

خلاصة:

أنّ الطريق إلى الإمام ليس بطول المسافة، ولا بحجم المال، بل بصدق النيّة، وبراءة الذمّة، وتطبيق ما علمناه من ديننا، ولو بدرهمٍ وشقّة قماش. من كان كذلك، حضره الإمام في آخر عمره، ولو لم يَعرفه أحدٌ من أهل الدنيا؛ وكفى بهذا شرفًا لا تدانيه ألقاب الأرض كلّها.

 

مواضيع مشابهة

أمناء الرّحمن – 11 – سيرة الإمام الكاظم عليه السلام

صلاة الإمام الكاظم (ع)