قناة المعارف الفضائية | سراج العلم والفضيلة
فهرس: نسيم كربلاء
آخر برامج من: الشيخ حسين الكوراني (ره)
آخر برامج في قناة المعارف الفضائية

الشهيد عمرو بن الحمق رض (2) – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله

الشهيد زاهر من شهداء كربلاء الذين استُشهدوا بين يدي أبي عبد الله الحسين عليه السلام، ويُذكر صريحًا في «الزيارة الرجبية» في النص المروي في «مصباح السيد» و«الإقبال» لابن طاووس: «السلام على زاهر مولى عمرو بن الحمق».

كما يذكر المحدث النوري الطبرسي أن «زاهر مولى عمرو بن الحمق الخُزاعي من المستشهدين في يوم الطف، في الحملة الأولى بين يدي أبي عبد الله عليه السلام».

هذا يعني أن خط الشهادة في كربلاء كان بخيوط ممَهَّدة وإشارات مبكرة، ومن جملة هذه الإشارات: إشارةٌ من الشهيد عمرو بن الحمق نفسه إلى زاهر الذي كان معه.

 

زاهر ورفاعة بن شداد مع عمرو بن الحمق

تفيد بعض النصوص – ومنها ما في تاريخ الطبري – أنّ ممّن كانوا مع الشهيد عمرو بن الحمق في الموصل: الشهيد رفاعة بن شدّاد، إلى جانب الشهيد زاهر.

رفاعة بن شدّاد أحد القادة الكبار في حركة التوّابين، مع سليمان بن صُرد الخزاعي والمسيّب بن نجبة؛ قادة التوّابين الذين حملوا لواء التوبة والانتقام لدم الحسين عليه السلام بعد فاجعة كربلاء. قبور هؤلاء القادة موجودة اليوم في منطقة «عين الوردة» في محافظة الخَشّنة، على مقربة من دمشق، حيث دارت معركة عين الوردة؛ لأن التوابين كانوا متوجهين إلى تلك الناحية.

الشهيد عمرو بن الحمق، مع معرفته بدور زاهر ورفاعة المستقبلي، لم يقبل أن يجعلهما فداءً عنه؛ لأنه يعرف أن لهما وظيفةً لاحقة في مسار كربلاء وما بعدها، إلا أنهما أصرّا على الدفاع عنه. وفي بعض النصوص يُروى أنه لما لجأ عمرو إلى صاحب ديرٍ أو حصنٍ – كان الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قد أمره في حياته أن يدعوه إلى الإسلام – طلب عمرو من صاحب الدير أن يُخفي عنده «تلميذَيه»، فيأتيه التعبير في بعض الروايات «تلميذيك»، ويُفهَم منه أنهما رفاعة وزاهر.

 

فالنصوص التي تتحدث عن هذه المرحلة متفاوتة ومضطربة؛ لأن شهادة عمرو وقعت في ظروف أمنية قاسية، في ظل الحكم الأموي، ثم جاء الحكم العباسي على نفس النهج في التعامل مع الموالين لأهل البيت عليهم السلام؛ فكان من الطبيعي أن تتضافر جهود التعتيم على هذه القمم الولائية النوعية.

 

موقع رفاعة بن شدّاد في حركة التوابين

في معركة عين الوردة كان عدد التوابين نحو ثلاثة آلاف، استُشهد منهم حوالي ألفين وسبعمائة، واستُشهد معهم قائداهم سليمان بن صُرد والمسيّب بن نجبة، وانسحب رفاعة بن شدّاد مع نحو ثلاثمائة رجل، فعادوا إلى الكوفة واستقبلهم المختار الثقفي، فالتحقوا به وشاركوا في أحداث الكوفة في عهده.

بهذا المعنى يكون رفاعة حلقة وصل بين خط التوابين وخطّ المختار، وكلّ منهما امتداد لمشروع الثأر لدم الحسين عليه السلام ونصرة مبادئه.

 

زاهر الصحابي الجليل

الشهيد زاهر مولى عمرو بن الحمق الذي استُشهد في كربلاء هو – بحسب ما تفيده بعض المصادر – صحابيٌّ جليل، من الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وآله.

الصحابة الذين استُشهدوا مع الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء – وعددهم يقارب السبعة – يحتاجون إلى مزيد من التحقيق؛ لأننا أحيانًا نجد اسمًا في كتب الرجال دون تفاصيل، ثم يتبيّن عند المراجعة أنه صحابي جليل.

يُذكَر على سبيل المثال زهير بن مخنف، الذي تفيد ترجمته أنه وفد على رسول الله في مكة قبل الهجرة، كما فعل أبو ذر رضوان الله عليه؛ وهذا يعطي انطباعًا عن عمق الجذر النبوي في شخصيات كانت حاضرة في مناخ كربلاء.

كون زاهر الصحابي الجليل من تلامذة الشهيد عمرو بن الحمق، وكون رفاعة بن شدّاد من هذه القمم الولائية، يعني أن الحديث عنهم هو في الحقيقة حديث عن مواجهة مرحلة التأسيس الشيطاني للخط الأموي؛ وهي المرحلة السياسية الحسّاسة التي سبقت كربلاء مباشرة وشكّلت مناخها العام.

استهداف الشهيد حجر بن عدي، واستهداف الشهيد عمرو بن الحمق، وما جرى في الكوفة من حملات اعتقال ومطاردة؛ كل ذلك كان في هذا السياق.

 

من الكوفة إلى الموصل: طريق الشهادة

أصيب الشهيد عمرو بن الحمق أول إصابة له في أحداث الكوفة التي استهدفت الشهيد حجر بن عدي وأصحابه، فاختفى عن الأنظار. ثم جاؤوا بحجر إلى الشام، وبقي عمرو مختفيًا حتى خرج سرًّا من الكوفة متوجهًا إلى الموصل، حيث استُشهد هناك.

إذن خروجه من الكوفة كان في نفس الظروف الأمنية والسياسية التي تم فيها اعتقال الشهيد حجر بن عدي؛ ما يكشف وحدة الهدف في استئصال هذه الوجوه التي يمكن أن تحمل رسالة أمير المؤمنين إلى الأجيال.

 

عمرو بن الحمق وحواريّو الأئمة

من المحاور الأساسية في سيرة عمرو بن الحمق: علاقته بأمير المؤمنين عليه السلام، وموقعه بين حواريّي الأئمة.

من المصادر المهمة هنا كتاب «روضة الواعظين» للفتّال النيسابوري، وهو عالم شهيد، وكتابه يُعدّ من أفضل الكتب التي يمكن أن تُحوَّل إلى مادة درسية؛ لأن موضوعاته من نوع «ما يحتاجه المؤمن» من ثقافة إيمانية وتربوية.

يروي الفتّال، وكذلك «اختيار معرفة الرجال» للشيخ الطوسي، عن الإمام الكاظم عليه السلام أنه قال: إذا كان يوم القيامة يُنادى:

«أين حواري محمد بن عبد الله رسول الله الذين لم ينقضوا العهد ومضوا عليه؟» فيقوم سلمان والمقداد وأبو ذر.

ثم: «أين حواري علي بن أبي طالب وصيّ محمد رسول الله صلى الله عليه وآله؟» فيقوم أوّلًا عمرو بن الحمق الخزاعي، ومحمد بن أبي بكر، وميثم التمّار، وأويس القرني… ثم حواري الإمام الحسن، ثم حواري الحسين، وهكذا.

هذه مرحلة النداءات القيَامية: «أين المتحابّون في الله؟ أين حواريّو الأنبياء والأوصياء؟»؛ وفيها يتقدّم عمرو بن الحمق في الصف الأول من حواريّي عليٍّ عليه السلام.

 

حقيقة الولاية في قلب عمرو بن الحمق

يروي الشيخ المفيد في «الاختصاص» نصًّا بالغ الدلالة على علاقة عمرو بأمير المؤمنين، ملخّصه أن عمرو قال للإمام:

«والله ما جئتك لمالٍ من الدنيا تعطينيه، ولا لالتماس سلطانٍ ترفع به ذكري، ما جئتك إلا لأنك ابنُ عمّ رسول الله، وأولى الناس بالناس، وزوج فاطمة سيّدة نساء العالمين، وأبو الذرية التي بقيت لرسول الله صلى الله عليه وآله، وأعظم سهمًا في الإسلام من المهاجرين والأنصار. والله لو كلفتني نقل الجبال الرواسي، ونزح البحور الطوامي حتى يأتي عليَّ يومي، وفي يدي سيفي أهزُّ به عدوّك، وأقوّي به وليَّك، ويعلو به كعبُك، ويُفلِج الله به حجتك، ما ظننتُ أني أديتُ من حقك كل الحق الذي يجب لك عليّ».

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: «اللهم نوِّر قلبه باليقين، واهدِه إلى الصراط المستقيم، ليت في شيعتي مئة مثلك».

وشهد حجر بن عدي بمعنى هذه الكلمة، فقال: لو كان في شيعة أمير المؤمنين مئةٌ مثل عمرو بن الحمق لحُلَّت كل المشاكل.

 

لوعة ما بعد ضربة ابن ملجم

من النصوص المؤثرة المرتبطة بعمرو ما نقله كتاب «مشكاة الأنوار» عن ابنه منصور بن عمرو بن الحمق:

يقول: لما ضُرب أمير المؤمنين عليه السلام وأُغمي عليه، أفاق وهو يقول: «طوبى لهم وطوبى لكم».

فقيل له: من هم؟ «لكم» إشارة إلى شيعته الحاضرين حوله مثل عمرو، و«لهم» إشارة إلى شيعة الأئمة من بعده.

قال عمرو بن الحمق: صدقت يا أمير المؤمنين، طوبانا برؤيتك، وطوبانا بالجهاد معك، وطوبانا بطاعتك؛ فمن هؤلاء الذين «طوباهم» أفضل من «طوبانا»؟

فقال عليه السلام: «أولئك شيعتي الذين يأتون من بعدكم؛ يطيقون ما لا تطيقون، ويحملون ما لا تحملون».

بهذا يربط الإمام بين جيل الحواريّين الأوائل وجيل الشيعة في العصور اللاحقة، الذين يُنتظر منهم الثبات على خطّ الولاية رغم شدّة الفتن.

 

تخطيط أمير المؤمنين لمستقبل عمرو

من شواهد عمق العلاقة بين الإمام وعمرو، ما نقله «اختيار معرفة الرجال» من أن أمير المؤمنين قال له يومًا: «ألكَ دار؟» قال: نعم.

قال له: «بِعْها، واجعل دارك في الأزد؛ فإنك إذا طُلبتَ بعدي لن يمنعك الأزد حتى تخرج من الكوفة متوجهًا إلى حصن الموصل».

ثم وصف له الإمام خريطة الطريق: تمرّ برجلٍ مقعد على الطريق، فتقعد عنده، وتستسقيه، فيسقيك، ويسألك عن شأنك؛ فتخبره وتدعوه إلى الإسلام، فيُسلِم، وتمسح بيدك على وركيه فينهض قائمًا.

ثم تمرّ برجل أعمى، فتستسقيه ويسقيك، وتدعوه فيُسلِم، وتمسح بيدك على عينيه فيعود بصيرًا.

هذان هما اللذان يُواريان بدنه في التراب عند استشهاده.

ثم يقول له: إذا اقتربت من الحصن في موضع كذا وكذا، تُدركك الخيل، فتنزل عن فرسك وتمضي إلى غارٍ في الجبل، فيكون اشتراك «فَسَقة من الجن والإنس» في دمك.

بعض النصوص تشير إلى أنه دخل الغار فنهشته أفعى – كأنها جنيّة متلبّسة – وبعضها يذكر أنه اعتُقل حيًّا بعد نفاد نَبْله، ثم قُتل. اختلاف الروايات طبيعي في ظلّ التعتيم الأموي، لكن الثابت أن معاوية أعطاه عهودًا ومواثيق بالأمان «ما لو أُعطي طائرًا أو وحشًا لنزل إليه»، ثم لم يفِ، وقتله بعد ذلك غدرًا.

 

خلاصة الخطة الأموية وموقع الشهداء

الحديث عن الشهيد عمرو بن الحمق متشعّب؛ لأنه صحابيٌّ عظيم، وكانت مرحلة الكوفة بعد استتباب الأمر لمعاوية وزياد بن أبيه مرحلة تأسيس للخط الأموي:

معاوية أراد أن يستأصل كلّ من يمكن أن يحمل رسالة النبي صلى الله عليه وآله وولاية أمير المؤمنين إلى الأجيال.

فكان استهداف الشهيد حجر بن عدي، والشهيد عمرو بن الحمق، والشهيد زاهر، ووالد الشهيد رفاعة، وأمثالهم من الأبدال، حتى لا يبقى في الأمة من يروي الحقائق بصدق.

بهذا نفهم أن سيرة عمرو وزاهر ورفاعة ليست قصصًا معزولة، بل هي جزء من المناخ السياسي والروحي الذي مهّد لكربلاء، وأن دماءهم كانت من أوائل الدماء التي كتبت على الأرض معنى:

أن الولاء لعليٍّ وآل عليٍّ ثمنُه التضحية، وأن حمل رسالة النبي في وجه التحريف الأموي يحتاج إلى رجالٍ من طراز عمرو بن الحمق وزاهر ورفاعة وأضرابهم.

 

مواضيع مشابهة

على أعتاب الحسين ع -40- أصحاب الإمام الحسين

سر خلود الحسين (عليه السلام) وأصحابه