قناة المعارف الفضائية | سراج العلم والفضيلة
فهرس: في محراب كربلاء – الجزء الرابع
آخر برامج من: الشيخ حسين الكوراني (ره)
آخر برامج في قناة المعارف الفضائية

مواقف كربلائية – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله

ليلةٌ فاصلة من تاريخ الإنسانية؛ ليلة عاشوراء، حيث كان الإمام الحسين عليه السلام في خيمته يتلو القرآن، بينما دورية من جيش ابن سعد تجول في المنطقة تراقب خيام الحسين عليه السلام وأصحابه.

في هذا الجو المهيب، تتجلّى ثلاثة نماذج بشرية مختلفة: المؤمن الراسخ، والنصّ والنصّ، والبطّال العابث.

 

الإمام الحسين عليه السلام وتلاوة التمييز بين الخبيث والطيب

يروي الضحّاك بن قيس المشرقي – وهو من أصحاب الحسين عليه السلام الذين بقوا معه حتى اللحظات الأخيرة قبل أن ينسحب بأمرٍ خاص – أنّ دوريةً من جيش ابن سعد مرّت قُرب خيمة الإمام، فسمعوا الإمام الحسين عليه السلام يتلو آيتين من سورة آل عمران:

﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ، إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ، مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾.

الآية تتحدّث عن قانونٍ إلهيّ ثابت: الإمهال للكافرين ليس كرامة، بل استدراج لزيادة الإثم، والهدف من الابتلاءات والتمييزات أن يظهر «الخبيث» من «الطيب».

ليلة عاشوراء كانت تجسيدًا عمليًّا لهذه السنّة: من هم الطيّبون الذين يثبتون مع الإمام الحسين عليه السلام، ومن هم الخبيثون الذين يصفّقون للطغاة؟

 

أبو حرب السبيعي: نموذج البطّال الذي يعرف ولا يعمل

حين سمع أحد رجال الخيل هذه الآيات، وكان اسمه عبد الله بن شهر، أبو حرب السبيعي، قال ساخرًا:

«نحن وربّ الكعبة الطيّبون، مِيزْنا منكم!»

الضحّاك عرفه فورًا، فعرّفه لصاحبه الشهيد برير:

«كان مضحّاكًا، بطّالًا، نكّاجًا».

من أهل السهرات واللّهو، من جماعة «البطالين» الذين يعيشون للضحك والمجالس والعبث بلا هدف.

ابتلي بمرض خطير: أن يقضي العمر بلا رسالة، فيضيع الهدف الأخروي؛ لأن «سبب الفساد الأساسي نسيان يوم الحساب».

هذا النموذج ليس بعيدًا عن واقعنا: إنسان يعرف الحق وأهله، لكنه أسير المزاح الفارغ والبطالة، لا يثبت على موقف جدّي في لحظة الاختبار.

 

برير بن خضير: الشيخ المقرئ ثابت اليقين

في المقابل، كان هناك برير بن خضير الهمداني: شيخٌ طاعن في السن من شيوخ المتّقين في الكوفة، مقرئ للقرآن في مسجد الكوفة؛ تعلّم على يديه كثيرون.

من قمم اليقين؛ فقد باهَل خصمًا في المعركة على أن الحقّ مع من يقتل صاحبه، فقتل غريمه بعد المباهلة.

بلغ سوء العاقبة ببعض الناس أن شابًّا من الكوفة تقدّم بعد ذلك ليجهّز على برير، رغم أنّه قيل له: «هذا برير الذي كان يقرئنا القرآن في مسجد الكوفة»، فلم يمتنع وقتله!

هكذا قد يصل القلب، إذا اسودّ بالذنوب، إلى مرحلة لا يعترف فيها لا بأستاذٍ ولا بصاحب فضلٍ ولا بحرمة علم.

الحوار الفاصل: «نحن الطيّبون وأنتم الخبيثون»

عندما قال أبو حرب: «نحن ورب الكعبة الطيّبون»، التفت إليه برير بعد أن عرفه وقال: «يا فاسق! أيجعلُك الله في الطيّبين؟»

ثم دعاه إلى التوبة قائلاً: المعنى أن الحقّ معنا، وأنتم الخبيثون، «وأنا على ذلك من الشاهدين».

المفارقة المؤلمة أن أبا حرب اعترف لحظةً بهذه الحقيقة، لكنه عاد سريعًا إلى مزاحه البطّال؛ تحدّث عن مَن يُنادم يزيد بن عذرة ويشاركه مجالس اللهو والخمر، كأنّه غير قادر على الخروج من دائرة العبث.

فقال له برير كلمة فاصلة: «قَبَّحَ الله رأيَك على كل حال، إنّك سفيه»

بهذا الحوار القصير تنكشف ثلاثة أمور: أبو حرب يعرف من هم الطيّبون حقًّا، لكنه لا يملك إرادة التوبة، برير ثابت على بصيرته، واثقٌ من موقعه مع الحقّ، البطالة والعبث قد تسحب الإنسان من الاعتراف النظري إلى السخرية العملية من طريق الحق.

 

الضحّاك بن قيس: بين الإيجابيات والسلبيات

أما الضحّاك بن قيس المشرقي، فهو نموذج «النصّ والنصّ» أو «ثلاثة أرباع بطّال» بتعبيرٍ مجازي:

التحق بالإمام الحسين عليه السلام، وقاتل معه فترة المعركة.

اشترط على الإمام منذ البداية أن يبقى معه ما دام له ناصر، فإذا بقي وحيدًا انسحب، وقد نفّذ شرطه بالفعل، فهرب بعد أن خبا فرسًا خاصًا لذلك.

هو ليس كأبي حرب في انغماسه الكامل في العبث، ولا كبرير وزهير في قمّة التضحية، بل بين بين:

عنده رصيد حسنات أهّله لأن يكون في المعسكر المبارك فترة.

وعنده رصيد سيئات منعه من أن يختم حياته بشرف الشهادة، فطرده هذا الرصيد من جوار الإمام الحسين عليه السلام في اللحظة الحاسمة.

هذا يذكّرنا بأن الإيمان درجات، وأنّ مجرّد «حب الحسين» لا يكفي؛ المهم كيف نترجم هذا الحب ساعة الجدّ.

 

كيف تُبنى العاقبة؟ بين الوجه الظاهر والباطن المستور

تحدّثت الرواية عن رجل قيل له بعد كربلاء: «أقتلتم ذرية رسول الله؟» فقال: لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا؛ وصف أصحاب الإمام الحسين عليه السلام بأنهم «عصابة» كالأسود الضارية لا تقبل الأمان ولا ترغب في المال!

هذا التبرير يكشف أن الإنسان قد يبقى في صورة بشرية، لكن باطنه يتحوّل شيئًا فشيئًا إلى: أفعى تمثّل المكر واللدغ من الخلف، أو خنزير يمثّل عبودية الشهوة وانعدام الغيرة، أو أي صورة حيوانية أخرى تعبّر عن صفاته الباطنية.

السبب: أننا «نَعلم ظاهرًا من الحياة الدنيا» وننشغل بالجسد، وننسى أن الآخرة تقوم على الباطن: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾.

كل كلمة، كل تعامل، كل نظرة، كل موقف؛ جزء من «بناء السريرة».

بهذه الأعمال اليومية:

إمّا نصبح «مُسدَّدين»، يوفّقنا الله للطاعات ويدفعنا نحو الخير.

أو «مخذولين»، يكلُنا الله إلى أنفسنا، فلا نُوفَّق إلّا لما يزيدنا بعدًا.

 

وفي الختام:

المشهد الذي نقلته لنا هذه الحلقة من ليلة عاشوراء يضعنا أمام سؤال حادّ:

هل أنا من نوع برير: متديّن ثابت، يعرف الحق ويلتزمه مهما كان الثمن؟

أم من نوع الضحّاك: عندي حبّ وشيء من الخير، لكن لا أحتمل التضحية إلى النهاية؟

أم من نوع أبي حرب: أعرف أهل الحق، لكنّي أسير العبث والبطالة والسهرات الفارغة؟

النجاة لا تكون بكثرة المعلومات عن كربلاء، بل بأن نختار لأنفسنا موقعًا عمليًّا: توبة جادّة من نمط العيش العبثي، تقوية الرصيد الإيماني والعملي الذي يؤهّل للثبات ساعة الامتحان، مراقبة يومية للساننا، وأوقاتنا، وعلاقاتنا؛ حتى لا تتحوّل إلى رصيد ضدّنا.

ليلة عاشوراء ليست ذكرى عابرة، بل مرآة نرى فيها حقيقة أنفسنا بين برير وأبي حرب والضحّاك، لنقرّر من الآن: إلى أيّ طريق نريد أن نسير؟

 

مواضيع مشابهة

رحيق المجالس – 688 – قيادة الإمام الحسين الربانية

دروس الحركة الحسينية