دروس من روايات الغدير – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله
روايات الإمام الرضا عليه السلام تكشف أن ما نعرفه من عظمة الغدير قليل جدًّا؛ فالغدير في السماء أشهر منه في الأرض. يقول عليه السلام – نقلًا عن آبائه –: «إنّ يوم الغدير في السماء أشهر منه في الأرض».
يصف الإمام أنّ لله في الفردوس الأعلى قصرًا مبنيًا من لبنات من ذهب وفضّة، فيه مئة ألف قبّة من ياقوتة حمراء، ومئة ألف خيمة من ياقوت أخضر، وترابه المسك والعنبر، تجري فيه أربعة أنهار، وحوله أشجار كلّ الفواكه. على هذا المشهد طيورٌ أبدانها من لؤلؤ، وأجنحتها من ياقوت، تُسبّح بأصوات شتّى.
إذا جاء يوم الغدير، ورد أهل السماوات إلى هذا القصر، يسبّحون ويهلّلون، فتطير الطيور، وتقع في الأنهار، وتتمرّغ في المسك والعنبر، ثم تنفض ذلك على الملائكة، فيكون اليوم عيدًا كونيًا في الملأ الأعلى. يتهدّى أهل السماء في هذا اليوم بنثارٍ مخصوص يسمّيه الإمام «نِثار فاطمة»؛ الهدايا التي نُثرت في السماء يوم زواج علي والزهراء، والتي يحتفظ بها الملائكة ويتهادونها في كلّ غدير.
وفي آخر اليوم يُنادَى في السماوات: «انصرفوا إلى مراتبكم؛ فقد أُمِّنتم من الخطأ والزّلل إلى قابلٍ في مثل هذا اليوم، تكريمًا لمحمدٍ وعليّ».
ثم يخاطب الإمام الرضا ابنَ أبي نصر: «أينما كنت، فاحضر يوم الغدير عند أمير المؤمنين»، ويعد بأنّ الله يغفر لكلّ مؤمنٍ ومؤمنة، ومسلمٍ ومسلمة، ذنوب ستين سنة في هذا اليوم، ويعتق من النار عددًا يوازي ما أعتق في شهر رمضان وليلة القدر وليلة الفطر.
لو لم تكن هذه المواسم تطهّرنا، لملأت الذنوب حياتنا ظلمةً لا تُطاق؛ كما أنّ البيت إذا تُركت سنين بلا تنظيف امتلأ حشراتٍ وعقارب، كذلك القلوب لو تُركت بلا غسيلٍ بالمواسم الربّانية لامتلأت أدرانًا، وهذه الأعياد هي «تنظيفٌ دوريّ» للروح.
آداب الغدير عند أهل البيت عليهم السلام:
الإمام الرضا نفسه جعل من يوم الغدير عيدًا عمليًا في بيته. تروي إحدى الروايات أنّه أبقى جماعةً من خاصّته على الإفطار في الغدير (صوم الغدير مستحب)، ثم بعث إلى منازلهم بالطعام والبرّ والصدقات والكسوة، حتى الخواتيم والنعال، وغيّر حالهم وحال حاشيته، وجُدّد تنجيد المجلس وآلته، وهو يذكر فضل هذا اليوم.
كان العطاء وافيًا، لا «هديّة رمزية»؛ هدايا لكلّ أفراد البيت، وملابس كاملة للضيف نفسه «من الحذاء إلى آخر ثوب»، في إشارة إلى أن الغدير يومُ إكرامٍ واسع، لا مجاملةٍ شكلية.
أوصاف يوم الغدير في روايات أهل البيت عليهم السلام:
هو يوم السبقة؛ يوم التنافس الحقيقي، لا في المظاهر والكنبّايات والسيارات، بل في القرب من الله، وفي المبادرة إلى الإصلاح داخل البيت؛ الشاطر من يبدأ بفتح صفحة جديدة، ولو قوبل بالصدّ.
وهو يوم الإكثار من الصلاة على محمد وآل محمد.
وهو يوم الرضا :
رضا عن النفس بمعنى كسر النظرة السوداوية المحبِطة: «أنا لا أساوي شيئًا… أنا فاشل…»
رضا عن الله: «إلهي، المهم أن ترضى عنّي؛ لا أريد شيئًا سواك»،
رضا عن الناس: حبّ الخير لهم، والدعاء لهم بدل الحقد عليهم.
وهو عيد أهل بيت محمد، ويوم قبول الأعمال، ويوم طلب الزيادة من الله في العطاء.
وهو يوم استراحة المؤمنين؛ ينالون فيه بعض جزاء أعمالهم، كما يستريح العامل عند قبض أجره.
وهو يوم التودّد؛ لكن ضمن الضوابط الشرعية، بعيدًا عن آفة الاختلاط غير المنضبط التي يصفها الخطيب بأنها من أخطر ما يفتك بالمجتمع المتديّن، حين يتحوّل «الجو العائلي المختلط» إلى تندرٍ وإهانةٍ وتفكّكٍ أُسريّ.
وهو يوم تفطير الصائمين؛ من فطّر فيه مؤمنًا صائمًا كان له أجر كأنما أطعم «مليون نبي وصِدّيق»، على حدّ التعبير الروائي، أو كمن أطعم «فئامًا وفئامًا… حتى عدَّ عشْر فئام، كل فِئام مئة ألف»؛ أي مليون.
وهو يوم التهنئة؛ يهنّئ بعضكم بعضًا، فإذا لقي المؤمنُ أخاه قال: «الحمد لله الذي جعلنا من المتمسّكين بولاية أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام».
لو عرف الناس فضل هذا اليوم بحقيقته، يقول الإمام الرضا، «لصافحتهم الملائكة في كل يوم عشر مرات». أي لو التزموا بما يعرفونه من حقائقه، وتخلّقوا بأخلاق علي وأهل البيت، لضعفت فيهم الحيوانية – العدوان، النطح، الرفس، اللدغ – حتى يصيروا عطرًا وصفاءً ومحبّة، فيتهيّؤوا لرؤية الملائكة ومصافحتهم؛ ليس سماعهم فقط.
درس حسان بن ثابت:
من صور الغدير المباشرة ما وقع مع حسان بن ثابت، شاعر رسول الله. جاء إلى النبي يوم الغدير وقال: «يا رسول الله، ائذن لي أن أقول في هذا المقام ما يرضاه الله»، فقال له: «قل يا حسان على اسم الله». فأنشد قصيدته المشهورة:
يناديهم يوم الغدير نبيّهم
بخُمٍّ وأسمِع بالرسول مناديًا
وقال: فمن مولاكم ووليّكم؟
فقالوا: ولم يبدُ هناك التعاديا
إلهُك مولانا وأنت ولينا
ولن تجدنَّ منّا لك اليومَ عاصيًا
فقال له: قم يا علي فإنني
رضيتُك من بعدي إمامًا وهاديًا
فمن كنت مولاه فهذا وليّه
فكونوا له أنصارَ صدقٍ مواليًا
فقال له النبي: «لا تزال يا حسان مؤيَّدًا بروح القُدُس ما نصرتَنا بلسانك».
هنا يتجلّى أن نصرة الغدير ليست بالسيف فقط، بل باللسان والقلم والقلب؛ من مدحَ الحقّ بصدقٍ، ولم يخن أمانة الكلمة، كتب الله له نصيبًا من تأييد روح القدس.
وفي الختام
يوم الغدير سماءٌ مزدانة، وقصرٌ في الفردوس يضجّ بالتسبيح، ومغفرةٌ تمحو ستين سنة من الذنوب، وعتقٌ من النار يوازي مواسم رمضان كلّها، وثوابُ تفطيرٍ يوازي إطعامَ مليونٍ من أنبياء الله وأوليائه. لكنه في الأرض لن يكون عيدًا حقيقيًا إلا إذا:
امتلأت بيوتنا بمحاولةٍ جادّة لنشر المحبة، ولو واجهنا في البداية السخرية أو الاتهام بالتكلّف.
تغيّر شيء في علاقتنا بالله: رضا عن قضائه، وحُبّ صادق له، وإكثار من الصلاة على محمد وآله.
تغيّر شيء في علاقتنا بالناس: تهنئة صادقة، وإطعام متواضع، وتودّد في حدود الشرع، وابتعاد عن اختلاطٍ يهدم البيوت باسم الحضارة.
حينها نكون قد أخذنا عيديّتنا الحقيقية من الغدير: قلبًا أنقى، وبيتًا أصفى، وطريقًا أقرب إلى أمير المؤمنين وأهل بيته، وإلى الملائكة التي تنتظر أن تصافح من عرف للغدير حقّه.

