هل نعرف الإمام السجاد ع؟ – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله
تُعرِّفنا نصوص أهل البيت عليهم السلام بالإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام بأسلوبٍ يختصر عظمته: «اللهم صلِّ على علي بن الحسين سيدِ العابدين، الذي استخلصتَه لنفسك، وجعلتَ منه أئمّةَ الهدى الذين يهدون بالحق وبه يعدلون، والذي طهّرته من الرجس واصطفيتَه، وجعلته هاديًا مهديًّا…».
وفي نصٍّ آخر: «اللهم صلِّ على علي بن الحسين، إمامِ المسلمين، ووالِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، وضاعِف العذابَ على من ظلمَه».
هذه الأوصاف تكشف أننا أمام شخصية محوريّة في استمرار الإسلام بعد كربلاء. ومع ذلك، الغالب في الذاكرة الشعبية أن نعرفه بلقب «مريض كربلاء» فقط، مع أنه هو الذي حمل راية كربلاء إلى ما بعد سقوط السيوف، وأرسى الأساس لانهيار الدولة الأموية.
السؤال الذي طرحته المحاضرة كان صريحًا:
هل نعرف الإمام السجّاد كما ينبغي؟
هل نعرفه كـ«العظمة المحمدية» التي ادّخرها الله لحفظ دم الحسين، وحفظ ذكر كربلاء؟
وهل نفهم المنهج الذي سلكه حتى صار «مريض كربلاء» هو نفسه الذي مهّد للقضاء على إمبراطورية بني أمية؟
أوّلًا: من مشهد الأسر إلى حقيقة الانتصار
بعد كربلاء، أُدخِل الإمام السجاد عليه السلام أسيرًا إلى الشام، والحبل يمتدّ من عنقه إلى كتف عمّته زينب عليها السلام، في موكبٍ أُريد له أن يكون استعراضًا للغلبة الأموية:
زُيِّنت دمشق كما يُزيَّن «يوم الزينة» عند فرعون: مرايا، ديباج، رايات، طبول، رقص ولهو.
حُشِد الناس لتكون فاجعة آل محمد عيدًا لأهل الشام كما وصف بعض الصحابة الذين صادفوا دخول الموكب.
ومع ذلك، وبعد أن عاد الإمام السجاد عليه السلام إلى المدينة، حاول إبراهيم بن طلحة أن يشمت به فقال له متظاهرًا بالجهل بما جرى: «مَن الغالب؟ من انتصر؟»
فقال له الإمام السجاد عليه السلام: «إذا أذّن المؤذّن، عرفتَ من الغالب».
أي: عندما تسمع «أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله»، وتدرك أنّ الإسلام باقٍ، وحبّ النبي وأهل بيته يتجذّر، ويزيد يُلعن على المنابر، تعرف عندها من الذي انتصر حقيقة.
اليوم، رغم تعاقب القرون والأنظمة: الإسلام لم يُمحَ كما أراد بنو أميّة، وحبّ أهل البيت حاضر في ضمير الأمة، بدرجاتٍ متفاوتة، لكنّه رأس مالٍ مشترك عند المسلمين، واسم يزيد مقرون باللعنة والعار، واسم الحسين مقرون بالمودّة والدمعة.
هذا الانقلاب التاريخي لم يأتِ صدفة؛ بل هو ثمرة منهجٍ طويل النفس، حمل لواءه الإمام السجاد، واستند إلى محور أساسي: إعادة بناء العلاقة بالله في قلوب المسلمين.
ثانيًا: ثلاث مهمّات في علاقتنا بالإمام السجّاد
المحاضرة ركّزت على أن التعامل مع الإمام السجاد عليه السلام ليس «معلومة نعرفها» بل «رحلة عمر» تقوم على ثلاثة أركان:
- معرفته معرفةً مستمرّة
لا يجوز أن يطمئنّ الإنسان إلى أنه «عرف الإمام» لأنّه قرأ سيرة مختصرة أو حضر مجلسًا أو اثنين؛ فالمعرفة هنا: بالقرآن الذي كان لسان الإمام في الدعاء والتهجّد.
وبالصحيفة السجادية التي تُعطي صورةً عن قلبٍ ممتلئ بحبّ الله وخشيته.
وبسيرته في كربلاء، والشام، والمدينة؛ كيف تكلّم، كيف صبر، كيف ربّى الأصحاب والأمة.
هذه المعرفة مشروع مفتوح، لا يُختزَل في موسمٍ معيّن أو كتابٍ واحد.
- فهم منهجه في مواجهة التحريف
بنو أميّة قدّموا نموذج تدينٍ خطير: اعتقادٌ لفظي بالله ورسوله، مع قلبٍ خالٍ من حبّ الله، ومعاملةٍ للرسول وأهل بيته كخصومٍ سياسيين.
النتيجة: أجيال تعتقد بالله نظريًّا، لكنها لا تتحرّك بوازع حبّه، فتستسيغ الظلم وتتعايش مع الانحراف.
الإمام السجاد واجه هذا الانحراف من الجذور:
أعاد تعريف الدين بأنه حبّ قبل أن يكون فكرة؛ حبّ الله أولًا، ثم حبّ رسوله، ثم حبّ القرآن وأهل البيت.
جعل محور دعائه ومناجاته: شوقًا إلى الله، اعترافًا بالتقصير، والتماسًا لعفوه ورضاه.
- حسن الاعتصام به والاقتداء العملي
ليس الاعتصام بالإمام السجاد عليه السلام أن نُكثِر من ذكر لقبه «زين العابدين» فقط، بل أن: نُخضِع عاداتنا ومشاعرنا وعلاقاتنا لما يرضي الله، كما علّمنا في الصحيفة السجادية.
نُنشئ لأنفسنا – ولو بخطوات صغيرة – خطّ عبادة متصلًا بالله، لا يقتصر على أداء الواجب ثم الانصراف.
ثالثًا: الدين بين الاعتقاد والحبّ
الفكرة التي شدّد عليها المتن: لا يكفي أن يعتقد الإنسان بالله، بل لا بدّ أن يحبّ الله، يمكن لإنسان أن يبرهن على التوحيد بألف دليل، لكنه لا يشتاق إلى الصلاة، ولا يجد لذّة في ذكر الله؛ هذا لم يذق طعم الدين بعد.
الاعتقاد «إطار»، لكن الحبّ هو «الروح»؛ بدونه يبقى الإيمان نظريًّا، باردًا، قابلاً لأن يتلوّن بالهوى والمصلحة.
التديّن الذي يشبه تديّن بني أميّة هو: إسلام بلا حب، عقيدة بلا خضوع قلبي، شعارات بلا أثرٍ في الأخلاق والسلوك.
في المقابل، نجد عند أناس بسطاء – كما يضرب المتن مثلًا بالعجائز الذين يقولون: «يا حبيبي يا الله» من أعماق قلوبهم – صورةً صادقةً عن جوهر الدين: أن يكون الله حبيب القلب، لا مجرّد «موضوعٍ ذهني».
من هنا نفهم كلام الإمام الصادق عليه السلام: «وهل الدين إلا الحبّ؟»
الدين أن يكون حبّ الله هو المقياس: نترك حبًّا محرّمًا لأنّه يصطدم بحبّ الله، فنكبح شهوة انتقام، أو عادةً متجذّرة، لأننا نحبّ أن نلقى الله طاهرين منها.
نضبط المظهر، والمال، والعلاقات، والخطوات الصغيرة في اليوم، على قائمة: «هل هذا ممّا يحبّه الله؟».
رابعًا: استعداد السجاد للموت… درس عملي
من النماذج العملية المؤثّرة ما دار بين الإمام السجاد والزهري: رآه الزهري ليلةً باردة ممطرة، وعلى ظهره كيس دقيق وحطب، يمشي بهما بنفسه، فقال له: يا ابن رسول الله، ما هذا الذي تحمله؟
قال عليه السلام: «أستعدّ لسفرٍ أحتاج فيه إلى زاد، أحمله إلى موضعٍ حريز».
بعد أيّام سأله: لم نَرَ أثرًا لذلك السفر الذي ذكرت؟
فقال السجاد:
«بلى يا زهري؛ ليس سفرُنا إلى موضعٍ نذهب إليه ثم نخرج منه، إنما هو سفر الموت، وله كنت أستعدّ؛ إنما الاستعداد للموت تجنّبُ الحرام، وبذلُ الندى والخير».
في هذا الموقف تتجسّد معالم منهجه: استحضار الموت كسفرٍ حقيقي يحتاج إلى زاد، تعريف الزاد بأنه الورع عن الحرام، والكرم في الخير؛ لا كثرة المال ولا طول الأمل.
هذا التطبيق العملي لحبّ الله: أن يكون همّ الإنسان كيف يلقاه، لا كيف يَجمع.
خامسًا: عبادة السجّاد وأزمة العبادة فينا
الإمام السجاد لم يُسمَّ «سيد العابدين» عبثًا؛ الروايات تصفه بأنّه: طويل القيام في الليل، كثير البكاء في السجود، صاحب مناجاة تقطر حبًّا وخشية، كما في الصحيفة السجادية.
يكفي أن نتأمّل في فقرة واحدة من مناجاته: «أستغفرك من كل لذّة بغير ذكرك، ومن كل راحة بغير أنسك…»
خاتمة
الإمام السجاد عليه السلام لم يكن «مجرّد ناجٍ من القتل في كربلاء»، بل كان: وارث الحسين والنبيين، حامل راية كربلاء في زمن السبي والصمت، وهّاجسُه الأكبر: أن يعيش الإسلام في القلوب لا في الشعارات.
منهجه الذي أسقط إمبراطورية بني أميّة لم يكن سيفًا ولا ثورةً عسكرية؛ بل كان قلوبًا امتلأت بحبّ الله، وعبادةً أذابت حجب الغفلة، ودعاءً أعاد تعريف الدين في ضمائر الناس.
إذا أردنا أن نكون قريبين منه حقًّا، فالبداية أن نسمح لهذا الحبّ أن يدخل قلوبنا، وأن نجعل من حياتنا – على قدر طاقتنا – صفحةً من صحيفته السجّادية.

