تأملات حول زيارة الأربعين – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله
في أجواء الأربعين، تهفو قلوب المؤمنين من أطراف الأرض إلى كربلاء. من استطاع أن يمشي سار بجسده، ومن لم يستطع بقي لسان حاله: يا ليتنا كنا معكم. هذه الظاهرة ليست حدثًا عاطفيًّا عابرًا، بل مظهر من مظاهر حبّ الحسين عليه السلام الذي غرسه رسول الله صلى الله عليه وآله في وجدان الأمة. وقد ورد في الحديث المتفق عليه بين المسلمين: «حسين سبط من الأسباط، أحبّ الله من أحبّ حسينًا».
هذا الحبّ لا يبدأ من الحسين وحده، بل يبدأ من الله تعالى؛ فنحن نحبّ رسول الله لأنّه رسول الله، ونحبّ الحسين لأنّه من رسول الله، ولأن النبي قال: «حسين مني وأنا من حسين».
لذلك لا يصح أن تُقرأ قوافل الزائرين والمواكب والملايين المتجهة إلى كربلاء بمعزل عن حب الله عز وجل؛ فالمحرّك الأعمق لهذا المشهد هو طلب رضا الله من خلال زيارة وليّه، والحركة في خطّ التوحيد تحت راية الحسين.
ومن هنا يصبح المشي إلى كربلاء فعلًا تعبديًّا واجتماعيًّا في آنٍ واحد: عبادةٌ لأنه استجابة لما أكّد عليه أوصياء رسول الله من فضل زيارة الحسين والمشي إليه، واجتماعٌ إيماني لأنه يعلن أمام العالم أن كربلاء ليست ذكرى محلية، بل راية تمتدّ في «أربع رياح الأرض» تمهيدًا لانتشار التوحيد والعدل على يد الطالب بدم المقتول بكربلاء، الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف.
استحباب زيارة الأربعين بين الفقهاء
من المهم أن نعرف أن زيارة الأربعين ليست مجرّد عادة متوارثة؛ فقد اتفقت كلمات أشهر الفقهاء المتقدمين على استحبابها، ومنهم الشيخ المفيد، والشيخ الطوسي، والكفعمي، والحر العاملي، والسيد ابن طاووس، والشيخ البهائي، وغيرهم.
لكنّ الفقهاء اختلفوا في تفسير سرّ هذا الاستحباب، ويمكن تلخيص الاتجاهات في ثلاثة آراء:
الأول: أن زيارة الأربعين مستحبة لأن النص ورد بها عن أهل البيت عليهم السلام، وإن لم نعرف سرّ التعيين بهذا اليوم. وهذا ما يظهر من كلام بعض العلماء، كالسيد ابن طاووس، حيث يشير إلى أن أهل البيت أعلم بأسرار رب العالمين في تعيين أوقات الزيارة.
الثاني: أن سبب الاستحباب هو مجيء الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري إلى كربلاء في يوم الأربعين، وزيارته لقبر الحسين عليه السلام. وقد نقل العلامة المجلسي احتمال أن يكون جابر أول من زاره من الإنس ظاهرًا، فاستُحب التأسي به.
الثالث: أن سبب الاستحباب هو رجوع الإمام السجاد عليه السلام وبقية أهل البيت إلى كربلاء عند عودتهم من الشام، وهو رأي تبنّاه عدد من العلماء، مع أن أصل الرجوع محلّ بحثٍ واختلاف.
والأهم هنا أن ننتبه إلى نقطة منهجية: استحباب زيارة الأربعين ثابتٌ عند الفقهاء، سواء ثبت رجوع أهل البيت إلى كربلاء في ذلك اليوم أم لم يثبت. فلا تلازم بين المسألتين؛ فمن ناقش رجوع السبايا لا يلزم أن ينكر أصل استحباب زيارة الأربعين.
جابر بن عبد الله: زيارة التأسيس
تحمل زيارة جابر بن عبد الله الأنصاري خصوصية كبيرة في الذاكرة الأربعينية. فمجيئه إلى كربلاء يبدو من كلمات العلماء أمرًا متفقًا عليه، وإن اختلفوا في تفاصيلٍ مرتبطة بمن كان معه أو بزمان الرجوع.
وليس جابر شخصية عادية في هذا السياق؛ فهو من كبار صحابة رسول الله، ومن رواة فضائل أهل البيت، ومن أصحاب المجلس العلمي في المسجد النبوي، كما أنه حمل سلام رسول الله إلى الإمام الباقر عليه السلام. وتذكر الروايات أن النبي أخبره بأنه سيطول عمره، ويكفّ بصره، ثم يردّ الله عليه بصره ليرى الإمام الباقر ويبلغه السلام.
لذلك يرى المحاضر أن القرائن قوية على أن جابرًا لم يأتِ إلى كربلاء مجرد زائرٍ فرد، بل جاء في سياقٍ أعمق: كأنه موفد رسول الله صلى الله عليه وآله لتأسيس حضور الأربعين في الوجدان الإسلامي. فالجوّ الأمني بعد كربلاء لم يكن يسمح بالتصريح بكل شيء، لكن جابرًا جاء ومعه راوٍ كبير هو عطية العوفي، لينقل هذه الزيارة ورسالتها إلى الأجيال.
الحبّ الذي يُشرك الإنسان في العمل
من أهم الدروس التي حملها جابر إلى عطية، وإلى الأمة من بعده، قوله بعد زيارة الشهداء:
«والذي بعث محمدًا بالحق، لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه».
استغرب عطية: كيف نشاركهم ونحن لم نهبط واديًا، ولم نعلُ جبلًا، ولم نضرب بسيف، بينما هم قُطّعت رؤوسهم، وأُوتمت أولادهم، وأُرملت نساؤهم؟ فجاء جواب جابر بميزان النية والحب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «من أحب قومًا حُشر معهم، ومن أحب عمل قومٍ أُشرك في عملهم».
هذه القاعدة تفتح بابًا عظيمًا أمام المؤمن. قد لا يملك الإنسان قدرةً على عملٍ كبير، لكنه يملك أن يحبّه بصدق، وأن يتمنى فعله لو قُدّر له، وأن يربّي قلبه في اتجاهه. النية هنا ليست خاطرًا عابرًا، بل بذرةٌ إذا وُضعت في النفس وسُقيت بالدمعة والصدق، يمكن أن تنمو وتتحول إلى توفيقٍ وعمل.
من أحبّ صلاة الليل ولم يقدر عليها اليوم، فليحافظ على هذا الحب، وليطلب من الله أن يوفقه لها. ومن أحبّ أن يكون مع المجاهدين ولم يستطع، فليحمل حبّ الجهاد في قلبه، وليطلب من الله أن يجعله أو يجعل أبناءه وأهله في خدمة الحق حين تأتي الدعوة. ومن أحبّ أخلاق الصالحين وهو يرى ضعفًا في نفسه، فليجعل هذا الحب بابًا للتغيير، لا ذريعة لليأس.
النية في ميدان الأخلاق
من أجمل ما تفتحه زيارة الأربعين أنها لا تجعل علاقتنا بالحسين علاقة بكاء فقط، بل علاقة إصلاح للداخل. فالإنسان قد يبكي على الحسين، وهو في الوقت نفسه يحمل في قلبه حقدًا، أو حساسية، أو كِبرًا، أو عادة إيذاء للناس.
هنا يأتي دور النية الصالحة: أن يقول المؤمن بصدق: يا رب، أنا لا أزال سريع الغضب، قاسي النظرة، كثير الحساسية، أتأذى وأؤذي؛ لكني أحبّ أن أكون حسن الخلق، أحبّ أن أتعامل مع الناس برحمة، أحبّ أن أتخلّص من الغيبة والنميمة والتكبر والاستهزاء.
هذا الحب ليس قليلًا. هو بداية علاج. النفس قد تكون ممتلئة بما يشبه «حديقة حيوانات» من الأفاعي والعقارب والذئاب: مكر، حسد، شهوة، قسوة، وتربّص بالآخرين. امتحاننا في الدنيا أن نجاهد هذا الحيوان الداخلي، وأن نجعل الجانب الملكوتي فينا يغلب الجانب الشيطاني.
ومن هنا تكون زيارة الأربعين مستشفى روحيًّا: يدخلها الإنسان لا ليطلب حوائج الدنيا فقط، بل ليطلب قبل ذلك حوائج الباطن: قلبًا أنقى، ولسانًا أهدأ، ونفسًا أقل أذى، وخلقًا أقرب إلى أخلاق الحسين وأصحابه.
النية في ميدان الجهاد والعمل
كما أن النية مطلوبة في الأخلاق، فهي مطلوبة في ميدان الجهاد والعمل العام. ليس كل إنسان قادرًا على أن يكون في الجبهة أو في الميدان، لكن كل إنسان قادر على أن يحبّ نصرة الحق، وأن يطلب من الله أن يوفقه أو يوفق أهله وأبناءه لخدمة الدين والمظلومين.
والله تعالى هو الذي «يتخذ منكم شهداء»، فهو يختار من عباده من يوفَّقون لهذا المقام. والمطلوب من المؤمن أن يكون قلبه مستعدًا، وأن تكون نيته مع خطّ الحسين، وأن لا يكون بعيدًا عن قضايا الأمة لمجرد أنه غير حاضر جسديًّا في الميدان.
فالإنسان قد يُحشر مع عملٍ أحبّه، وقد يُثاب على نيةٍ صادقة حُبس عنها بمرض أو عجز أو ظرف.
وهذا ما يعلّمنا إياه النبي صلى الله عليه وآله عندما قال لأصحابه في بعض أسفاره إن أقوامًا تخلفوا لعذر، لكنهم شركاء في الأجر لأن نيتهم كانت مع المجاهدين.
اجعل لكل شيء نية
هناك قاعدة عملية تصلح أن تكون برنامجًا يوميًا:
قال النبي صلى الله عليه وآله لأبي ذر: «ليكن لك في كل شيء نية، حتى في النوم والأكل».
بهذا الفهم، يتحول الأكل من مجرد استجابة للجوع إلى نية التقوّي على العبادة والعمل. ويتحول النوم من استسلام للتعب إلى استعدادٍ لصلاة الفجر، وخدمة العائلة، والسعي في الحلال. ويتحول العمل لكسب الرزق إلى جهادٍ إذا قصد به الإنسان إعفاف أهله، وخدمة الناس، والقيام بما أوجب الله عليه.
وفي كلمة أمير المؤمنين عليه السلام:
«لتعظم رغبتك في الخير، ولتحسن فيه نيتك؛ فإن الله عز وجل يعطي العبد على قدر نيته».
هذه القاعدة تجعل الأربعين بدايةً لا نهاية: نرجع من الزيارة، أو من مجلس الأربعين، ونحن نحمل نيةً جديدة في كل شيء: في صلاتنا، في طعامنا، في نومنا، في كلامنا، في أخلاقنا، وفي موقفنا من الحق.
خاتمة: الأربعين بيعة حبّ ونية
زيارة الأربعين ليست مجرد مسيرٍ إلى قبر الحسين، بل مسيرٌ إلى معنى أعمق: أن نكتشف أن حبّ الحسين من حبّ الله، وأن الزيارة مظهرٌ من مظاهر التوحيد، وأن النية الصادقة قد تجعل الإنسان شريكًا في عملٍ لم يستطع أن يباشره.
لكن صدق الزيارة يظهر بعد الأربعين: هل صارت نيتنا أصلح؟ هل صار حبّ الخير فينا أقوى؟ هل بدأنا نطلب أخلاقًا أرقى؟ هل صرنا أكثر استعدادًا لنصرة الحق؟ هل جعلنا لكل شيءٍ نيةً تقرّبنا من الله؟

